دائرة العلم ودائرة الجهل

من باب أن الشكية هي أساس المعرفة وأن المتيقن جاهل، قد يكون رأيي خطأ ورأيك صواب وقد يكون العكس أن رأيي صواب ورأيك أنت هو الخطأ، علما أن الآراء صحيحة بنسب مختلفة فلا توجد آراء صحيحة تماما وآراء خاطئة تماما. وحتى نصل للنتيجة النهائية ونكتشف أي الآراء هو الأصح وما هي نسب الصحة والخطأ لكل وجة نظر، نحتاج أن نعيش حالة تسامح ونحن نسير في الطريق نحو الفهم النهائي. الفهم النهائي هو اليقين، أما المعرفة فهي الطريق. وهي طريق طويل ورحلة ممتدة منذ بداية وجود الإنسان ولن تنتهي حتى آخر إنسان يستطيع أن يفكر. 
 
المشكلة أن هذا الفهم المتسامح لطبيعة المعرفة الذي تحمله بين جوانحك وتطمأن له نفسك وما يجعلك تحترم كل الأفهام الأخرى، لا يشاركك فيه كل رفاقك في الطريق. فمعك من رفاق الطريق من ولد كأي إنسان آخر، جاهل لا يعلم شيئا، ولكنه نشأ وكبر في مكان إستقى من بيئته اليقين من أول يوم. بالنسبة له، المعرفة ليست لها أهمية، فهو يمتلك اليقين مسبقا. هو أصلا لا يعي أنه في رحلة ولا يعترف بالطريق. أجداده وصلوا المحطة النهائية منذ زمن بعيد وهو مقتنع أن سلسلة التفكير قد توقفت منذ زمن بعيد. ومنذ قرون إنتهت الحاجة للعقل، ولم يعد له دور يقوم به بعد أن توصل أجدادنا لكل الحقائق. الحقيقة أن الحاجة للدماغ الموجود بالرأس أصبحت غير مهمة ولا تقارن بالحاجة لبقية الأعضاء الأخرى كالمعدة والكبد. يقتصر دور العقل فقط عند غير المحظوظين أمثاله. ذلك أن العقل مهم عندهم لكي يدلهم ويهديهم للوصول لما ولد هو فيه هو وأجداده بدون جهد عقلي. وعنما يصل أولئك لفهمه هو، عندئذ عليهم أن ينهوا عملية التفكير عندهم عند تلك اللحظة. نقطة اللاعودة.
 
بدأنا بالشكية، وقلنا أنها هي السبب في جعلك تحترم آراء الأخرين. أيضا إدراك أن المعرفة نسبية. هذا الوعي بأنك قد لا تكون على الحق تماما، وقد لا يكون مخالفك على الخطأ تماما، يجعلك في حالة تسامح دائمة وإستعداد ضمني للسلام مع الآخر والمهم أيضا هي تضعك في إستعداد أن تزداد معرفيا. وربما الأهم، هذه الحالة تعطيك الفرصة الحقيقية أن تكون مؤمنا. لأن الإيمان هو عملية تحدي الشك. أو كما قيل: "أن الإيمان ليس اليقين بدون شك، ولكن الإيمان هو التصديق رغم الشك".
 
أما المتيقن فلا يستطيع أن يؤمن، فليس لديه حاجز الشك ليرتقي عليه بالإيمان. المتيقن أيضا يختلف جوهريا في كل ما ذكرت من التعامل مع المعرفة ومع بقية الآراء. هو لا يشك، فالشك بالنسبة له مروق وزندقة، مهلكة مخرجة من الملة. الشك في الحقيقة هو نهاية اليقين بالنسبة له وبالتالي تنقض كل أسس عقيدته وتنهي كل سبب لوجوده. وبالتالي لا وجود لفلسفة إحترام الآخرين عنده. كيف يحترم آراء الآخرين وهي خطأ أصلا وليس هناك أي أمل أن تكون صحيحة؟ لا يوجد لدى رفاق الطريق هؤلاء أي وعي أو إستعداد نفسي للإحترام أو التسامح أو تقبل الآخرين منذ البداية. عدم الإحترام وعدم التسامح عند هؤلاء لا ينبع من حالة غضب مؤقتة أو من ظرف خاص يمر عليهم، بل هو نابع من أعماق قناعاتهم, ثابت لا يتغير. في حالات خاصة، كالإحساس بالضعف، أو كتكتيك مؤقت، سيقدم هؤلاء على التسامح والإستماع إليك والتعايش معك. لكنهم نفسيا، يعتبرون ذك منة منهم عليك وإحسانا إضافيا قدموه لك. هذا شعور نفسي طبيعي في داخلهم لكي ينسجم تسامحهم مع يقينهم بإستحالة خطأهم. وفي الغالب أنه قرار مؤقت لا يطول كثيرا، قبل أن يتغير الحال بسرعة في أقرب فرصة. هذه ليست حالة في دين واحد بعينه، بل هي حالة إنسانية عامة.
 
إذن كيف تتعامل مع رفاق الطريق هؤلاء؟ هل تتعامل معه من نفس مبادئك وقيمك المعرفية الشكية؟ إحترام موقفهم وقناعاتهم وآرئهم؟ واضح أن هؤلاء حالة خاصة من بين كل الذين تختلف معهم. فبعكس البقية، يقع هؤلاء خارج دائرة المعرفة. هل من الحكمة ان تتعامل معرفيا في حوار طرفه يقيني بحت بينما أنت تقف في الطرف النسبي؟ بينما أنت تعرض أفكارك وتعطي غيرك الفرصة بكل تسامح أن ينتقدها ويعدل فيها، يعرض الطرف الآخر أفكاره أنه يقينيه نهائية غير قابلة للنقاش؟ بل كيف تتعايش في هذه الرحلة الطويلة مع هذه العقلية المتربصة الإقصائية التي تنظر للمختلف أنه الضحية القادمة الذي يجب القضاء عليه لأنه يحمل أفكارا تختلف عن اليقين الحق الذي عندي وهو لا يرضى أن يحمل نفس أفكاري بل ويشكك فيها؟
 
المبدأ لا يتغير أن إحترام مبدأ حرية الفكر والرأي قناعات ثابتة. ليست هذه هي المشكلة لدى الطرف المعرفي. المسألة هي أنه لو جاءك من يقول: ما دام موقفكم هو الشك في كل شيء، فلماذا لا يسمح شككم أن هؤلاء المتيقنين على حق؟ الجواب مع الأسف يقيني، وهو: طبعا لا. لا يسمح أن يكون هناك إحتمال أن أي إنسان يحمل يقينا هو على حق. لأن اليقين مستحيل في حق الإنسان. الإنسان لا يستطيع أن يصل لليقين. هذا من أساسيات المنهج المعرفي. بل من أساسيات الطبيعة الإنسانية والكونية. إذن الطلب غير معقول. كيف أفترض أن المعرفة نسبية، ثم من هذا المبدأ تطلب مني أن أفترض أنها يقينية؟ كأنك تقول: من مبدأ نسبية المعرفة، هل يمكن أن نفترض أن المعرفة يقينية؟

تعليقات

إرسال تعليق

يمكنك التعليق على هذه المقالة

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الله غير موجود

مفهوم الحرية ببساطة

العصور السبعة