الإنسان و الأفكار

نحن لعبة بيد الأفكار.

نبدأ صغارا لا نصلح لأن نحملها. لكننا نبدأ بمواهب الصغار، نتعلم بسرعة و نجرب بدون خوف و نلاحظ بدقة و نقلد و نبدع. من الصدفة أننا نعيش في مجتمعات مختلفة، كل واحد منا يعيش مع نصيبه من الأفكار الغريبة. و عملية التعلم عملية ميكانيكية في الصغر، تتم بغير مشيئة الإنسان، و من المستحيل أن يبلغ الطفل السابعة دون أن يكون قد تشبع بأفكار والديه و من حوله من الناس، فهو يتحدث لغتهم و يعتقد بمعتقدهم، و رغم أن لكل شخص شخصيته المميزة و لو قليلا، إلا أنه نسخة أخرى من الأفراد الذين هم حوله. هو مزيج من تجارب الآخرين الذين عايشهم و تفاعلوا معه.

و كذلك، فإن الإنسان يبقى بعيدا عن الأفكار التي لم ينشأ بها، معزولا عنها، لكن تلك الأفكار البعيدة ستجد لها أناس آخرين تنشأ و تعيش معهم. أو لنقل، تعيش بهم. و هكذا تتكون تجمعات مختلفة للأفكار المختلفة، كما أن تجمعات البشر مختلفة أيضا. و تصبح الأفكار أيضا شعوبا و قبائل و دولاً و أحزاباً و مجتمعات كثيرة.

نحن لسنا أكثر من وعاء لحمل تلك الأفكار، بينما الأفكار هي الموجود الحقيقي في الكون. نحن نعيش سنوات قليلة فقط قبل أن نموت لتأتي أجيال جديدة تحمل نفس الأفكار. الأفكار هي التي تعيش للأبد. أما نحن فإننا لسنا سوى أداة بيد الأفكار، ننشأ، نأكل و نشرب حتى تصبح عقولنا قادرة على التفكير، ثم نصبح ذلك الوعاء الصالح لحمل الأفكار و تطويرها و إعادة صياغتها و توليدها ثم بعد ذلك تمريرها للجيل التالي.

لو تفكرنا في ذلك، لوجدنا أننا نأكل و نشرب و نتنفس، ونقوم بكل العمليات البيولوجية من أجل هدف واحد، هو أن يعيش الدماغ و يقوم بعمله. أما بقية الأجهزة الأخرى فهي أجهزة مساعدة، القلب لكي يضخ الدم، و الدم هو الوسيلة الأنسب لنقل الطعام و الهواء للدماغ لكي يستمر في مهمته الأساسية و هي حفظ الأفكار، تطويرها و نقلها. أي أنه مهمته الأساسية هو أن يكون حاضنة أفكار. أما عمل أي جهاز آخر فليس أكثر من القيام بمهام الدعم غير المباشر للرسالة الأساسية للجسد. فاليدان و القدمان مهمتهما نقل هذا الدماغ من مكان إلى مكان، لكي يبحث عن المزيد من الطعام حتى تستمر العملية.

و الأمر الأكثر إثارة، هو ما أتى به العلم بعد إكتشاف الجينات. المخلوقات كلها بما فيها الإنسان، بكل أجهزتها المعقدة لا تعدو كونها أتت من شفرات، مرسومة في الجينات الوراثية. و المخلوق بكل تعقيداته ليس أكثر من خلية واحدة نشأت بحسب هذه المعلومات المكتوبة في الجينات ثم تكاثرت بحسب التعليمات نفسها، ثم تطور الجسد و نما بحسب هذا البرنامج المكتوب. أي أن المخلوق نفسه ليس أكثر من مجرد فكرة هو الآخر. نحن كنا أفكارا مشفرة، جاءنا الوقت المناسب و الظروف المناسبة لنحصل على فرصتنا في الوجود، بينما لم يسعف الحظ أكثر الأفكار الأخرى.

و بما أن الإنسان هو مزيج وراثي من أبيه و أمه، و بالتالي من أجداده ثم من أجداده الأولين و هكذا، فإن فرصة وجوده و ظروف تكون هذا المزيج الفريد من الأفكار التي كونته تعتمد إعتمادا كليا على ما حدث في الماضي. فهناك الحروب التي تقضي على الناس، و هناك من ينجو فيجد الفرصة ليورث أبناء و بنات و هناك الأوبئة و الظروف الجيدة التي سمحت للعديد بترك أبناء و ظروف سيئة لم تسمح. لذلك كل إنسان هو سجل تاريخي للماضي القديم، محفور في شفرته الجينية. لا أدري إن كان العلم سيتقدم بحيث نستطيع أن نقرأ التاريخ من خلال صفحات أنفسنا.

في مرحلة من المراحل، يجب أن يموت الإنسان لكي تستمر الأفكار، ربما هي تلك المرحلة التي يصبح فيها الدماغ غير قادر على حضانة المزيد من الأفكار الجديدة و توليدها. أو ربما عندما يزداد فيها الإنسان حكمة و معرفة بأسرار الكون، و يبدأ بمعرفة العلاقة العجيبة بين مملكة الإنسان و مملكة الأفكار، عندها يجب أن يموت. منّا من يغرق في فكرته، فيموت من أجل الأفكار التي يؤمن بها. و معظم الناس يموت عندما يصبح دوره في نقل الأفكار غير مهم. فقد تجاوزه الزمن، و جاءت أجيال جديدة تستطيع أن تقوم بهذه المهمة عوضا عنه، بفعالية أكبر.

الأفكار أبديه، تمر عبر العصور، تستهلك ملايين العقول و تفنيها، و هي لا تفنى. تتقاتل الأفكار فيما بينها في ملاحم أسطورية. ميدان قتالها الإنسان. و كما أن الأرض هي مسرح العرض الإنساني، فإن مسرح عرض الأفكار هو الإنسان. نحن نعيش في وهم أننا نحن سيد الكون. و لكن الحقيقة أن الأفكار هي سيدة الكون. كانت موجودة قبل خلق الإنسان، و ستظل باقية بعده. و في معارك الأفكار، لا يكون الصراع غالبا بين الأفكار نفسها، بل أن الإنسان هو الذي يدخل الصراع بدلا من الأفكار. و في العصر الحديث، تبدل هذا بعض الشيء خاصة في المجتمعات العلمية، فأصبح الوعي بضرورة أن يكون الصراع الفكري مجاله الأفكار. يأتي من يحمل الأفكار، و تنتصر الأفكار التي تستطيع أن تقنع أكبر قدر من العقول.

و لا يمكن أن ننسى دور الإنسان العظيم في حياة الأفكار و تطورها. فالإنسان آلة التفكير الأفضل في الكون بدون منازع. قد يختار معظم الناس عدم التفكير، و يلتهون بهذه الأدوات التي وجدت لخدمة العقل أصلا كالقلب و اللسلان و الأيد و الأقدام و الجهاز الهضمي و الجهاز التناسلي و التنفسي. و قد لا يهتمون كثيرا بالمهمة الأساسية التي خلقوا من أجلها و هي أن يفكروا و يبدعوا، و لكن هذا لا يهم لأن هناك أيضا عددا لا يستهان به من الناس الذي يفكرون و يبدعون. من ذلك اليوم الذي نظر فيه الإنسان القديم للجبل فسماه جبلا، و للوادي فسماه واديا. بأي لغة كانت، حتى و لو لم ينطق بها. قدرته على التمييز بينهما، و إطلاق إسم مميز لكي شيء هو أساس كل الأفكار. التسمية هي أقوى أنواع الأفكار، لأننا نستطيع أن نسمي أشياء غير موجودة أصلا ثم نوجدها. التسمية هي عملية حصر مميزات و وظائف كثيرة في كلمة واحدة أو عدة كلمات في جملة قصيرة.

لا أشك أبدا أن الله قد أشار لذلك في القرآن عندما بشر الملائكة بأنه جاعل في الأرض خليفة. فكان رد الملائكة بسؤال الله: أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء. ثم أشارت الملائكة لنقطة مهمة: و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك؟ بالطبع الملائكة يعتقدون أن عبادة الله هي فقط بالتسبيح و بالتقديس، و هي شيء لا يستطيع أحد أن يغلب الملائكة فيه. فهم يسبحون و يسجدون لله آناء الليل و أطراف النهار. و لا تمر لحظة من لحظات الزمان إلا و فيها الملائكة ساجدون مسبحين بعظمة الله و بحمده. و لكن الله سيجعل الخليفة في الأرض لعبادة من نوع آخر، لذلك فإن الرد الإلاهي على ملاحظة الملائكة: إني أعلم ما لا تعلمون. ثم ذكر أن الله علم آدم الأسماء كلها، كل تلك الأفكار التي سيحتاجها في حياته، و أهم من ذلك كله، هو عندما بيّن الله للملائكة الفرق بين آدم و بينهم، عندما سألهم أن ينبؤوه بأسماء هؤلاء، فلم يستطيعوا. و لكن آدم إستطاع.

ربما يكون التفكير، هو أعظم عبادات الله، و ربما نكون فقط مستعبدين من هذه الأفكار تسيرنا كما تشاء. تتحكم بنا، تتقاتل من خلالنا، تخدرنا و تعيشنا في وهم كبير حتى إذا جاء اليوم الذي لا تحتاجنا فيه تركتنا نواجه مصيرنا لوحدنا، بينما هي تمر في عصر آخر في رحلتها الأبدية.

تعليقات

  1. مشكور
    http://www.alsadiqa.com

    ردحذف
  2. جزاك الله خير
    http://mawahib.net

    ردحذف
  3. استاذ عبد اللة اتابعك في تويتر
    وشدني ماقلته هنا ..أتمنى أقراء لك كتاباً.

    khaledniso@

    ردحذف

إرسال تعليق

يمكنك التعليق على هذه المقالة

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الله غير موجود

العصور السبعة

مفهوم الحرية ببساطة