عن نظرية التطور (١)

الحديث عن نظرية التطور، من الأحاديث الأكثر جدلا في الغرب منذ عهد النهضة العلمية في أوروبا. و على الرغم من أن جميع النظريات العلمية في تلك الفترة وحتى اليوم كانت دائما ما تسبب رفض كثير من رجال الدين بالذات ومن المتحمسين، هو خلاف يشتد أحيانا حتى يصل لحد الإتهام بالكفر والهرطقة و القتل أيضا.

في الغالب، كان العلماء يتبعون أسلوبا نافعا، ولكنه يحتاج لزمن طويل: وهو العمل بصمت، وبعد فترة من الزمن سوف تتحول هذه النظريات العلمية لحقائق يستحيل إنكارها. حدث هذا في نظرية دوران الأرض. كانت الفكرة القديمة هي أن الأرض هي مركز الكون، تدور حولها الشمس. كان الإنسان القديم ينظر في السماء فيرى الشمس تظهر من المشرق، وكأنها تخرج من خلف الأرض ثم ترتفع بإتجاه السماء حتى تتوسطها. ثم تبدأ بالنزول بإتجاه الغرب حتى تختفي خلف أفق المغرب من الأرض. لا شك أن الإنسان القديم كان موقنا بما لا يدع مجالا للشك بأن الشمس هي التي تدور. وأن الأرض ثابتة، كانت هذه هي أقدم خدعة بصرية تعرض لها الإنسان منذ نشأته على هذا الكوكب.

مع الوقت تحول منظر السماء الخلاب في الليل والنجوم تحيط بالكوكب و بالشمس والقمر تدور حول الأرض لفكرة بدأت ثم نمت و إشتدت حتى أصبحت عقيدة متوارثة وهي أن: الأرض هي مركز الكون، و أن الكون كله يسير من أجل الأرض، ويدور حولها، خلق من أجلها. وأصبحت عقيدة مقدسة، على الرغم من أن الله لم ينزل بها من سلطان.

لذلك من غير المستغرب محاربة ورفض النظرية الجديدة التي طرحها كوبرنيكوس بأن الأرض ليست مركز الكون وأنها ليست حتى مركزا لنظامها الصغير الذي نعيش فيه. فهي مجرد ثالث كوكب يدور حول نجم صغير نسميه الشمس. و مجموعتنا الشمسية ليست إلا مجموعة صغيرة جدا مقارنة بأنظمة أضخم وأبعد بملايين المرات. وأن مجموعتنا الصغيرة جزء من مجرة عملاقة، لكنها بالنسبة لمجرات الكون الأخرى تعد صغيرة جدا.

هذا الإستنتاج يتعارض مع الخطاب الديني في العصور الوسطى الذي يقوم على تصوير علاقة خاصة بين الخالق و الإنسان، وأنه مخلوقه المحبوب والخاص، وأنه خلقه على صورته الإلاهية، و بأن كل الكون له. سخره لها يصنع به ما يشاء. فالأرض هي مركز الكون و الإنسان هو مركز الأرض. فكل شيء يدور حول الإنسان. لا غرابة إذن من المعارضة الشديدة من رجال الدين لرجال العلم و حملاتهم الإجرامية ضدهم. فالعلم بإكتشافاته يقلل من قيمة الخطاب الديني وينتزع منه القدسية. ويظهر للناس قيمة العلم و يكشف زيف الخرافات الموروثة.

وعلى العكس من ذلك، فقد أثبتت الإكتشافات و النظريات العلمية، أن الإيمان لم ينحسر و لم ينتهي، بل إزداد وأخذ شكلا أكثر عمقا وقربا من الله، وأكثر عقلانية مقارنة بطريقة الإيمان الخرافية التي روج لها رجال الدين. فعاد الناس للنص يؤولونه بطريقة جديدة بعيدا عن التأويل القديم. والأهم من ذلك أن العلم نزع عباءة المعرفة المزيفة عنهم وجعل الإنسان العادي في مواجهة مباشرة مع الكون والطبيعة بدون وساطة رجال الدين. أصبح بإمكانه الآن التفكر مباشرة والتواصل مع خالق الكون بدون أصنام.

قال رجال الدين أن مشكلة العلم أنه يحرر الإنسان من الله، فيصبح ملحدا غير مؤمن. ولكنني أعتقد أن الذي قام به العلم هو أنه حرر الله من الإنسان. فقد كانت الفكرة القديمة عن “الله” لا تخلو من النظرة الوثنية التي تصوره الله سبحانه عما يصفون بصور تتشابه مع خلقه. و الذي قام به العلم أنه أزال هذه الصورة ورفع من فكرة خالق الكون بأن فتح الفضاء على مصراعيه بكون فسيح لا ينتهي، ووضع الله في مكانه الصحيح بالنسبة للإنسان: “ليس كمثله شئ”.

وهذا الصراع بين العلم والخرافة لا ينتهي. ومستمر. ولكنه يضر بالدين أكثر مما يضر بالعلم. فالناس لا تصدق الذي يتحدث بدون حجة ولا برهان، و هي تصدق الذي يأتي بالبراهين العقلية والدلائل التي تؤكد نظرياته وما يطرح من أفكار. و علماء الدين لا يبحثون في الكون ولا يتفكرون فيه و لا يقومون بالتجارب والأبحاث العلمية المستمرة لكي يثبتوا للعالم ما ذهبوا إليه من تأويل للنصوص المقدسة. ولكنهم بدلا من ذلك يطالبون من الناس تصديقهم في ما ورثوه بدون أي برهان، ومن لا يتبع فهو متبدع، وقد يضطرون لمحاربة المخالفين وإستخدام وسائل مختلفة للتنكيل بهم وملاحقتهم. إنتهى هذا الآن مع الديموقراطية في الغرب، ولو عادت السلطة لرجال الدين، لعادوا أشنع على الناس وعلى حرية الفكر من قبل.

عند نزول النص القرآني، ذكر تصريحا بحركة الشمس و بأنها تجري لمستقر لها، وبأن الأرض سطحت، مما عزز الفكرة المسبقة بأن الأرض مسطحة والشمس تدور حولها. القرآن لم يقل ذلك مباشرة، ولكن هذا هو التأويل الذي عم بين المفسرين و الفقهاء في ذلك الوقت. لا مشكلة في ذلك، فالإنسان يفسر النصوص بمعرفته التي هو عليها وقت التأويل، والله هو وحده الذي يعلم تأويله. و لكنه كما نعلم ليس بالتأويل الصحيح، كما أثبت العلم الحديث.

و لكن المشكلة هي عندما تم إكتشاف كروية الأرض ودورانها حول نفسها وحول الشمس، ودحض أن الشمس هي التي تدور حول الأرض. عندها تعصب البعض للتأويل القديم، مع أن التأويل ليست له أي قداسة، إنما القداسة للنص. أما التأويل فهو متغير. والسبب بسيط: النص هو تنزيل إلاهي، بينما التأويل هو منتج إنساني، إجتهاد بشري، يصيب ويخطئ. وهذه مشكلة كبيرة عند رجال الدين، فهم يضيعون أحيانا الخط الفاصل بينهم وبين الله، فيفتتن بعضهم بما وصل إليه من حفظ و معرفة بالتراث فيعتقد أنه ألم ببعض العلم الإلاهي.

لم يستطع المسلمون أن يفصلوا بين الفهم والنص، و فرضوا فهمهم بأنه هو نفس ما أراد الله قوله، وهي عادة لا تزال موجودة على عدة أصعدة مثل الحقوق، و هذه: محاولة دخول عقل الله لفهم ما أراد قوله، أو الإدعاء بالقدرة على الإحاطة بالمقاصد الإلاهية. تهمة خطيرة ولكنها تبدو عادية عند البعض. لم يستطع أحد أن ينكر في نهاية الأمر أن النص لا يتعارض مع فكرة دوران الارض ولا بكرويتها، إنه مجرد تعارض مع الفهم. لذلك لا تستغرب التراجع في المواقف من العلم بعد فترة من الزمن. نحن في أزمة بين الإدعاء بمعرفة المقصد الإلاهي وبين ما يفرضه الواقع. هذا لكي لا يقفز أحد بفهم موروث له قوته التي يستمدها من تقليديته فقط و ليس لأنه حق، و يدعي أنه فهم ما أراد الله قوله تماما.

و عند الحديث، عن نظرية التطور يجب التفريق بين ثلاث نظريات مختلفة: نظرية التطور، و نظرية الإنتخاب الطبيعي التي جاء بها داروين، و نظرية تطور الإنسان.

فكرة نظرية التطور: هي أن التطور هو القانون الذي خلق الله به المخلوقات والكون بأسرة. كانت الفكرة السابقة للخلق انه خلق فجائي لحظي، يتم في لحظتها بتصميم جاهز. نستطيع أن نقول أن هناك تصوران لفكرة الخلق: الخلق الآني في نفس اللحظة بمكونات كاملة، و خلق يتم عبر مراحل تختلف كل مرحلة عن الأخرى بشكل تتطور فيه كل مرحلة عن المرحلة السابقة.

مثال مبسط: من أين أتت اللهجات العربية المختلفة: الخليجية، الحجازية، المصرية و المغربية مثلا؟ بالتأكيد لدينا إيمان بأن الله خلقها فهو خالق كل شيء. و لكن كيف خلقها؟ هل تطورت من منشأ واحد؟ من اللغة العربية؟ أم أنها ظهرت فجأة؟ نستطيع دراسة هذا الأمر علميا؟

نحن نعلم أن الله خلقها، و في نفس الوقت لم تحدث في نفس اللحظة. إن الله إذا أراد شيئا فإنما أمره أن يقول له كن فيكون، و لكن لا نعلم كم أراد الله من الوقت للشيء أن يكون؟ هناك خرافة بأن الأمر يتم في نفس اللحظة، و لكن هذا مجرد تأويل و هو تأويل ينافي قوانين الطبيعة والحكمة الإلاهية في أن بين "كن" و "يكون" أزمانا قد تمتد لملايين السنين، أو كما تقتضيه الحكمة الإلاهية.

وكما نعلم أن الله هو خالق التنوع اللغوي عند البشر، نعلم في نفس الوقت أن التنوع هذا حدث عبر القرون في تطور مستمر، ومتدرج بحيث لا يشعر به جيل واحد. هو يحدث ببطء، تدخل بعض الكلمات، و يقل إستخدام أخرى تتزاوج اللهجات و اللغات، و بعد فترة طويلة تظهر لغات ولهجات مختلفة لا تستطيع التفاهم بينها وكأنها خلق جديد.

نظرية التطور في الخلق، تعطي للخلق فكرة أنيقة وأكثر حكمة، من نظرية الخلق الفجائي. وهي بالتالي أكثر إحتراما وتقديرا لله. فقد وجدت البعض من يؤمن بصورة مشوهة عن حكمة الله و علمه، و لشرح ذلك. يجب أولا أن نقارن بين طريقتين للتصميم الهندسي.

الطريقة الأولى تسمى التصميم من الأعلى للأسفل، كتصميم المباني. في البداية نضع الرؤية المناسبة للمبنى، كم عدد الأشخاص الذين سيسكنون فيه، في كل دور، عدد المكاتب إن كان به أقسام تجارية، هذا التصميم من أعلى الهرم يأخذنا للأسفل فنفكر بعد ذلك بالمساحات المناسبة، أحجام الغرف، تصميم المداخل و المخارج، ثم ننزل إلى إحتياجات المواد و الحديد. كل ذلك على الورق قبل أن نبدأ بالعمل. ثم نبدأ بشراء المواد و مقاولة شركة لبدأ العمل، ثم الإشراف حتى نهاية المشروع.

و عندما نريد تصميم مدينة، فمن المستحيل أن نعتمد على طريقة التصميم من الأعلى للأسفل. إلا إن أردنا إخراج كل أهل المدينة منها ثم إعادة تصميمها من جديد، كل المباني، كل الطرق، كل الحدائق. و هذه عملية مكلفة لا تستطيع دول العالم مجتمعة على القيام بها، فضلا أنها غير عملية، وفي نهاية المطاف سيفشل المشروع، ولن يرغب أحد بأن يسكن هذه المدينة. لأن الأمر ليس مجرد مدينة، هناك علاقات إجتماعية إنسانية، ومؤسسات إقتصادية لا تنشأ بين يوم و ليلة.

و عندها لا يكون لنا خيار أفضل من طريقة التصميم من الأسفل للأعلى. هو الأسلوب الهندسي الوحيد القادر على أخذنا من لا شيء إلا صنع المدينة التي نحلم بها، بدون تكاليف إضافية، و بطريقة طبيعية متوافقة مع قوانين الكون. كل مدن العالم تطورت ولم تخلق هكذا كما نراها أمام أعيننا. و هي خلق بديع ومتقن يفي بكافة إحتياجات السكان ولا يسبب إضطرابا إقتصاديا ولا إجتماعي يذكر، و لو كان الإنسان أكثر علما بنظرية التطور لإستطاع توجيه هذا التصميم لنتائج أفضل أيضا.

ولكن لو نظرت للأمر من ناحية أخرى، لتغيرت النظرة. تخيل أن أي مدينة قام على تصميمها رجل أو شركة متخصصة. لو قيل لك: أن مدينة نيويورك مثلا قام بتصميمها شركة بطريقة التصميم من الأعلى للأسفل. دراسة التربة، و المناخ و الجغرافيا ثم وضعت كل شيء في مكانه على الورق ثم بدأت العمل، ثم أنجزت مدينة نيويورك، ثم سكنها الناس. بعيدا عن هذا الإفتراض الغير واقعي الذي يقول أن مدينة نيويورك ظهرت فجأة ولم تتطور، أريد أن أسأل سؤالا آخر: ما رأيك في هذا التصميم؟

عن نفسي سوف أنتقد هذه الشركة بشدة، فمدينة نيويورك بها الكثير من العيوب. أو على الأقل، ما دمنا سوف نصممها من الصفر، فإنه كان بالإمكان أن نفعل أحسن من هذا. و لكننا نعلم أن تصميم نيويورك هو الأفضل، لأننا نعلم أنها تطورت بهذا الشكل تبعا لإحتياجات الناس عبر العصور، و بحسب الظروف الإجتماعية و الإقتصادية للإنسان هناك. وكذلك كل مدينة، هي إنعكاس حقيقي لمراحل تطور الفكر الإنساني الحضاري.

كذكل الخلق. فلو إفترضنا أن الخلق حدث عن طريق التطور الذي إستمر بلايين السنين، لوجدنا أن كل مخلوق ميسر لما خلق له، ولشعرنا بجمال الكون في تنوعه و ألوانه المختلفة. لأن التصميم من الأسفل للأعلى، يبدأ من لا شيء إلى كل شيء، فإننا لا نشعر بحرج أو إضطراب في فهم الكون، وكيف خلق الله كل شيء من لا شيء. فإذا أرت أن تبني مدينة فأبدأ ببيت واحد، ثم مزرعة و بئر، ثم أغنام ورعي، سأتيك من يعمل في المزرعة و سيحتاج لمنزل هو الآخر، و هكذا تنمو القرية، ثم تتحول لمدينة مع الوقت. نظام طبيعي، متوافق مع سنن الكون.

لو إفترضنا الأمر الآخر، بأن تأويلنا أن طريقة خلق الله للمخلوقات هي الخلق الفجائي، فسنخرج بإنطباع مختلف. تخيل أن الله سبحانه عما يصفون، خلق أحد مخلوقاته من لا شيء بدون تطور. هذا يعني أنه تصميم من الأعلى للأسفل: أولا هناك صورة لهذه المخلوق عند الله أرادها بشكل محدد، ثم خلقها. و هنا يستحيل أن يكون في الخلق نقص أو خلل. و لو كان في المصنوع خلل، فهو يدل على نقص في الصانع. ولذلك كل التصميمات الإنسانية كالمباني و السيارات التي تصمم من الأعلى للأسفل لا تخلو من العيوب.

نحن نعلم أن المخلوقات كلها بها عيوب، و لو أنه خرجت من المصنع لقلنا أن بها عيوب مصنعية. فالذين يقولون بنظرية الخلق الفجائي المصنعي، يقولون بشكل غير مباشر بفكرة أن المصمم لم يقم بما يجب ليخرج المنتج بالشكل المطلوب. ولكننا نعلم أن كل الخلق تطور، لذلك فالعيوب التي نراها ليست عيوب بالشكل الذي نجد فيها العيوب في السيارات والمباني، بل هي نتيجة طبيعية لتفاعلنا مع الكون و تفاعل الكون معنا. ليست عيوبا بل إختلافات.

نحن تعودنا في حياتنا اليومية للاقتناع بالأمور التي تتكرر في إطار زمني ضيق، نصدقها بدون صعوبة، ولكن ان تحتاج العملية لملايين السنين؟ هنا تكمن الصعوبة في الحديث عن تطور الخلق و يحتاج الامر لخيال. و لكن الأمر الآن أسهل بسبب توفر الأحافير التي تعود لملايين السنين، و كذلك بإمكانية ملاحظة التطور في البكتيريا والحشرات الصغيرة التي تستغرق وقت أقل في التفاعل مع المتغيرات.

عند الحديث عن التطور، يأتي التطور البيولوجي هو الأهم و الأكثر إثارة للحديث. مم تطور؟ هل خلق فجاءة. يجب ان أوضح أن دراسة التطور هي دراسة تاريخية، نعود للوراء لمحاولة فهم ما نحن عليه الآن. وهي ناجحة بشكل كبير في تفسير الأحداث و الوصول لحقائق مدهشة.

لنأخذ مثال للعلاقة القوية بين التاريخ و التطور: تاريخ جهاز الكمبيوتر. نعلم مراحل تطور خلق الكمبيوتر، بدأ بأفكار حسابية بسيطة، تسلسل خوارزمي يمكن تكراره ليحل نفس المسألة بفعالية و بدون أخطاء لأنه مجرب مرارا، ثم ظهور الحاجة الاقتصادية لمثل هذه الفكرة في العصر الصناعي مما أدى للاستثمار في تطوير تلك الأفكار ثم جاء جيل أراد صنع جهاز ميكانيكي يقوم بها، تم صناعة أول جهز ميكانيكي من التقنية المتوفرة آن ذلك، ثم نجح إقتصاديا فتم الإتساع بالإستثمار، ومرحلة المنطق الثنائي ثم السيليكون و الرقائق.

ومع تطور الهاردوير تطورت افكار البرامج وتطورت الصناعة التي أصبح بإمكانه الاستفادة من الكمبيوتر في زيادة الإنتاج و فعالية وجودة منتجاته، وفي نفس الوقت وبدون أن يشعر إنسان بذلك، تطورت المجتمعات و طباعة الكتب و ثقافة الشعوب والطيران و الاتصال، حصل ذلك ببطء عبر السنين. لو جاء مخلوق من كوكب آخر بدغمائيته و ادعى ان كل هذا لم يتطور وأن كل شيء خلق في مكانه في النظام العام لأنه هكذا مناسب، ما موقعه من العقل؟

عملية: كيف نقرأ الكتب وكيف نشتريها من أمازون وعلى الآيباد هي عملية متوازنة مع النظام الكلي، وهي ليست عملية طارئة على النظام، هي نشأت وإن كانت خفية في أعماق النظام من بدايته وإستمرت في التطور حتى أخذت شكلها النهائي كما نراه اليوم، الحقيقة أنه ليس شكلها النهائي، فالتطور مستمر، بدون أن نشعر بحركته البطيئة. كما كل الأنظمة الطبيعية في الكون، تتطور و تتبدل.

التطور ليس فقط قانون كوني كأحد القوانين الأخرى، بل هو القانون الذي يحكم خلق الكون في كل لحظة من البداية حتى النهاية. وهو الذي يحدد معنى الغاية في الكون. فلو كان الخلق منذ البداية كما هو، فسوف تنتفي الغاية من الكون و يصبح كونا متشابها في مراحله لا يذهب في إي إتجاه، فتنتفي الغاية.

المتأمل يصل لأن فكرة التطور تدافع عن قدسية الإله و تنزهه بطريقة لا يفعلها متشددي الدين من الذين يصرون على نفي النظرية. بل إنها تقدم نموذجاً حكيماً للخلق يختلف عن النموذج المزاجي للخلق والذي يقضي بأن الإله سبحانه يقرر فجأة ما يريد خلقه فيقول له كن فيكون في نفس اللحظة بدون أسباب و لا مقدمات و بدون أن تكون تلك عملية حكيمة مقدرة. و بدون أن يكون هناك تفاعل طبيعي مع الكون يلتزم بسنن محددة لا تتبدل ولا تتحول. بالطبع هؤلاء يعتقدون أن الله سبحانه كملوك الأرض و كسلاطينهم الذي يقولون كلمة مزاجية واحدة فيقضى الأمر، حتى ولو كان حكمه يلخبط و يربك أنظمة القضاء و الدولة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الله غير موجود

العصور السبعة

مفهوم الحرية ببساطة