سبعة مليارات


نهاية أكتوبر، في اليوم الأخير منه، أحتفلت الأمم المتحدة بيوم خاص بمناسبة بلوغ عدد سكان اللأرض السبعة مليارات نسمة. قد يكون عدد سكان العالم قد بلغ ذلك الرقم قبل التاريخ المحدد بيوم أو بيومين، أو بعده بيوم أو بيومين. و لكنني الآن بعد أكثر من عشرة أيام من ذلك التاريخ متأكد أنني أعيش بين سبعة مليارات نسمة، فلم يحدث تسونامي أو زلزال أو حدث جلل يقلل من عدد السكان فجأة في الأيام العشرة الماضية.



كانت المليارات الستة قد بلغها العالم قبل نهاية القرن السابق بعدة أشهر. و في بداية العقد القادم، سيكون إن شاء الله موعد المليار الثامن و هو موعد تنتظره معظم الدول المتقدمة بخطط إستراتيجية لأعوام ٢٠٢٠، ٢٠٢١ و ٢٠٢٢ لأهمية عدد السكان العالمي و المحلي في التخطيط و التنمية.



لو عدنا للتاريخ الذي بلغ فيه عدد سكان الأرض المليار الأول، لأصبحنا تقريبا في نهاية القرن الثامن عشر و بداية القرن التاسع عشر. و هي الفترة التي دخل فيها العالم الإسلامي و العربي خاصة مرحلة الإستعمار الغربي. هي المرحلة التي تلت إمبراطوريات عربية إسلامية تمتعت بسلطة مطلقة كانت الشعوب فيها مغيبة عن المشاركة السياسية، بحجة أن الحاكم الظالم المتسلط خير للأمة فهو يحميها من الأعداء و يجمع كلمتها في مواجهة الإمبراطوريات المتاخمة. منطقيا، يبدو أنها فلسفة جيدة و حجة لها أساس عقلي، على الرغم من نقضها أهم الأسس القرآنية التي تقول بأن النصر و العزة هي في الإيمان و التقيد بالقرآن و السنة لا بغيرهما.



لكنها أثبتت فيما بعد أنها خرافة إزدهرت في وقت لم يكن هنالك قوة حقيقية بعد تهدد المسلمين بعد سقوطها مملكتي الفرس و الروم في أثناء الخلافة الراشدة. لكن لم تكتشف الأمة كذبها إلا عندما تكونت هذه القوة في أوروبا بعد أن نفضت عنها غبار الديكتاتوريات و التدين الكنسي المتحالف مع السلطة. فأصبحت بالحرية و بالديموقراطية قوة قادرة على إكتساح العالم عسكريا و إستثماره إقتصاديا وإضطهاد سكانه الأصليين.



مع الأسف لم تنتبه الأمة أن إستقرار أمنها، و السبيل لإزدهارها هو الحرية و قوة الفرد و المشاركة السياسية، و هي نفس مكونات القوة الإسلامية الأولى. و ليس الديكتاتورية و الحكم العائلي أو القبلي. و لو كانت الطريقة الهرقلية في إدارة الدولة الإسلامية نافعة، لنفعت هرقل الروم و كسرى الفرس من قبل. لذلك واجهت الممالك الإسلامية الديكتاتورية نفس المصير. مع تشديدي على خصوصية الزمان والمكان، التي قد تحتم أن يكون الحكم القبلي أو العائلي مناسبا في فترة من فترات الزمان قياسا على مستوى وعي الشعوب. والقاعدة تقول أن الوعي والعادات والثقافة هي التي تحدد الشكل الصحيح الذي يضمن رخاء قطاع أو دولة محددة. إنها مسألة معقدة، لكن الأولوية دائما للعيش بسلام بدون حروب أو قلاقل وعدم إستقرار. الأولوية لرخاء الشعوب والأوطان، للولاء وعدم الخيانة.



لكي يبلغ عدد سكان العالم المليار الثاني، إنتظرنا حتى بداية الربع الثاني من القرن العشرين. ربما في العام ١٩٢٧. و هي المرحلة التي بدأ العالم الإسلامي و العربي بالتخلص من الإستعمار، و قيام دويلات عربية قامت على ثقافة ما قبل الإستعمار. كأنها غيبت عن الكون فترة طويلة ثم صحت بنفس أفكار الماضي. و قامت ببناء دول بحكومات متسلطة تستعمر شعوبها و تقيم فيها الإقطاعيات و الممتلكات العائلية. بينما كان العالم الغربي ينحى منحى آخر أكثر إنسانية، يزدهر صناعيا و فكريا، و يبدأ مرحلة جديدة في تاريخه بتأسيس حقوق الإنسان و قوانين المحافظة على البيئة و على حقوق الحيوان، و بالتركيز على المحافظة على الثقافة الإنسانية. كان الغرب المتوحش، العنصري، الجشع، الذي أشعل الحروب في كل مكان قد وصل أخيرا و بعد حربين عالميتين لحقيقة فقدانه للبعد الإنساني، فبدأ مرحلة جديدة يبني على تفوقه العلمي و التقني تفوق جديد أخلاقي و إنساني. بالتأكيد الغرب عانى و لا زال يعاني من خلل فكري و أخلاقي كبير في جوانبه و لكنه يمتاز بأنه ديناميكي يتعلم و يصلح نفسه ليكمل المسيرة.



عندما سقط الإتحاد السوفييتي و إنتهت الحرب الباردة في نهاية الثمانينيات كان العالم قد أكمل ملياره الخامس. و هي مرحلة رأت وزارة الدفاع أن الأقمار الصناعية و البنية العظيمة لوسائل الإتصالات التي أستثمرتها تحسبا لحرب النجوم لم يعد لها حاجة بل أنها تكلفة زائدة كل يوم، بعد سقوط العدو المتسهدف بها. فكانت فكرة أن تستثمر تجاريا. ففتحت بذالك أبواب النعيم، و كذلك أبواب الجحيم لحرية الإعلام الذي يبث من الفضاء، و لأول مرة بدون إذن الحكومات و لا تحت مراقبتها اليومية، و للأنترنت التي أعطت سلطة غير مسبوقة للفرد و لقدرته على التأثير في العالم بشكل مباشر. هذا التحول جوهري لأنه وضع الإنسان في مركز الإقتصاد. فبدلا من المعادلة القديمة التي تعتقد الشركات و الحكومات أنها هي التي تعلم المنتج و السياسة الأفضل للفرد و كل ما على الفرد هو الشراء و السمع و الطاعة بدأت بالتغير. فالفرد هو الذي يحدد ما يحتاجه و ما يريده، و الشيء الذي لا يصلح له يتركه، أما النافع له فهو يشتريه و يحبه.



ليست مصادفة في هذا العام ٢٠١١ الذي يبلغ فيه العالم ملياره السابع، أن تنتفض الشعوب و أن تتغير موازين القوى لصالح الأفراد. إنها تنتفض على قوى قامت أيام المليار الثاني، و التي تقوم على أفكار تسلطية تعود بنا لأفكار البشر حين لم يبلغوا وقتها بضعة ملايين. ربما من قرون عديدة. أفكار لم تعد تنتمي للفكر البشري الآن. و هذه مجرد البداية فقط، فالذي يرى كيف يتبادل الناس الأفكار في الإعلام المجتمعي عبر مواقع التواصل المختلفة يدرك سرعة تطور الأفكار و إستحالة التحكم بها. يكفيك أن تقارن بين الأجهزة الإلكترونية قبل عدة سنوات و الأجهزة الجديدة و كأنك تقارن بين منتجين بينهما عشرات السنين: أحدهما غير صالح للإستعمال و الآخر يخشى بعد أشهر قليلة أن يرمى من أجل تقنية جديدة. أو أن تشاهد فيديو تم تصويره في اليوتيوب قبل سنوات قليلة، فتعتقد بما ترى من إختلاف الملابس و الهيئة و جودة التصوير أن هذا الفيديو قد تم تصويره قبل عشرات السنين.



الأفكار بالطبع هي التي تغير في العالم. و التغيير يأتي على شكلين: أما أن تكون أنت التغيير نفسه أو أن تقاوم و تتهرب فترة من الزمن ثم يكتسحك التغيير بعد أن يحاصرك من كل مكان.



لا أعلم كيف سيكون عالمنا عند بلوغ المليار الثامن، و لكنه سيكون عالم مختلف بشكل كبير. ستتغير فيه الكثير من الأمور الجديدة.لكنني أعلم أن محاولة عزل منطقة من هذا العالم المترابط عن بقية المعمورة والتحكم بها لأطول فترة ممكنة بدون إشراكها في القرار و التفكير محاولة عبثية تتعارض من معطيات الواقع و كيفية التعامل الصحيح معه. و ستنتهي بالأوطان في المستقبل لأن تكون مجتمعات متخلفة، فقيرة، و هو المستقبل الذي ينتظر كثيرا من الدول العربية و الأفريقية إن لم تؤسس لمجتمعات تنعم بالحرية و الديموقراطية و بالأمن الحقيقي القائم على الثقة بالفرد و إعطاءه البيئة الحرة للأبداع و الإبتكار، و حمايته فكريا من الإضطهاد و من سرقة أفكاره و من التعرض له بأي شكل من الأشكال فقط لأنه يفكر. بل و حمايته لكي يفكر بحرية. هذا هو الإتجاه الجديد الذي ينتهجه العالم المتقدم لكي ينطلق نحو الإقتصاد المعرفي الذي لا يقوم على كون الإنسان هو وسيلة الإنتاج و لكنه ينظر أخيرا بأن الإنسان هو منبع الإنتاج.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الله غير موجود

العصور السبعة

مفهوم الحرية ببساطة