الفتح الإنساني العظيم

الفُتوحات السّماوية هي تلك اللحظات من الزّمان التي يُنبأ فيها رجال من الأرض بخبر السّماء. فَيَبعثُون بتلك الأفكار الجديدة أمماً من الموت و يُخرجُون الناس من الظلمات إلى النور. يَختصِرون قُرونا من الزّمان في سِجل الحضارة الإنسانية. فيجدد اللهم بهم الحياة و يصلح الأرض بعد فسادها.

و لو لم يبعث الله نبيا يقوم بثورة في قريته الظالم أهلها، فإننا لا نستطيع تَخيُّل تاريخ الأمة العربية سِوى مَجموعةٍ من القبائل المتفرقة التي تَعيش تحت وَطأة الجاهلية و تَحكُّم الإمبراطوريات المجاورة لها لقرون عديدة. بل أننا لا نستطيع أن نتخيل تاريخ الإنسانية بأجمعه بدون الأنبياء كما نراه اليوم سوى تجمعات وثنية في أصقاع القارات المتفرقة تعاني الفقر و المرض و التخلف و تَحكُّم الشامانيين بعقولهم و الإقطاعيين بحياتهم.

ما معنى إختصار الزّمان؟

إن الزّمانَ يَسير في خَطٍ مُستقيم. لا يُبالي بشيء و لا بأحد. لا يتوقف. لا يقفز قُدما، و لا يعود للوراء. و في الكون ساعات عملاقة تقيسُ الّزمان. نُجوم و كواكب و مجرات تدور حول نفسها وحول بَعضِها بدقَةٍ و إنتظام. كُلُّ واحدة مِنها ساعة تشير للحظة من الزّمان. و عندما تأتي اللحظة التالية، فإن تلك الأجرام السماوية العملاقة تنتقل للمكان التالي لها في الفضاء. لا يَسْتقدِمون ساعةً و لا يستأخِرون.

لا مفر لأحد من أن يخرج من هذا خط الزمان المحكم. أو أن يفلت من لحظة إلى لحظة لم تَحِن ساعتُها بعد. و لكن العقل يستطيع أن يكسر هذه القاعدة. ذلك الإستثناء الكوني الذي يمتلكه الإنسان قادر على أن يقفز فوق السنين. بأن يختصر المسافات الزمنية الطبيعية و أن يخرج بإنجازات تدفع الحضارة الإنسانية قرونا للأمام. هو إختصار للزمان قد لا يحس به الكون العملاق لأنه يحدث على ظهر كوكب متناه في الصغر كحبة رمل في صحراء الكون الكبير. و لكنه إختصار عظيم إذا ما قسنا بالتناسب مع مقاييس الزمان البشرية.

لا يستطيع النَّخيل على ظهر هذا الكوكب سِوى الإنصياع للطبيعة و هزِّ أغصانه مع الريح. و لا تستطيع الأُسُود الأفريقية و لا الحِيتان و لا الأنعام و الدواب إلا أن تسير في ركب الإنقياد لحركة الكون و قوانينه الصارمة. تأكل و تتكاثر ثم تنتهي دون أن تغير شيئاً في وجه الكون. وحده الإنسان العاقل هو القادر على تسخير بقية الكون لمصالحه و أهواءه إن أراد. بيده أن يصلح أو أن يفسد في الكون.

كانت الإنسانية في القرن الثامن عشر على موعد مع التغيير. كانت أوروبا وقتها ترزح لقُرونٍ عديدة تحت حكم الملكيات المطلقة التي تحكم بقداسة إلاهية أضفتها عليها كنيسة تسيطر على عقول الناس بالترغيب و الترهيب و بالنصوص المبتورة و التأويلات في وحي الله و في موروث الأنبياء. فالحاكم كما كانت تصوره الكنيسة هو أمر الله و إرادته في الأرض. يعتبر الخروج عليه فتنة تحلل دماء من قام بها من أبناء الشعب. فلا يجوز لأبناء الوطن الذين ضاقت بهم الأرض بما رحبت سوى السكوت و الصبر و الرضا، فالإصلاح التغيير ليسَا من صَلاحيات الأُمم الـمُستضْعفة بل صلاحيات مطلقة للملوك و القساوسة الذي هم أعلم أهل الأرض و هم وكلاء الله في معرفة الحق و الباطل و في إعطاء الأحكام النهائية و التي كانت كلها تصب في مصلحة الملوك و دائما ما إبتعدت عن هموم الناس و حقوق الشعوب. أما موقع الناس من تقرير مصيرهم و المشاركة في القرار فقد كان أمرا مُحرما بعيد المنال، فهم ليسوا أكثر من مجموعة من التوابع التي لا دور لها في الحياة. لذلك فقد إستحال التغيير على الرجل العادي الذي كان يواجه التعذيب و الموت في الدنيا ثم العذاب و الثبور في الآخرة و الخلود في جهنم لمعارضته أمر الله.

أما الدولة الإسلامية، متمثلة في الدولة العثمانية في ذلك الوقت، فكانت قد كانت هي الأخرى نظاماً ملكياً ورثت العباسيين و الأمويين الذين إستنسخوا الهرقلية و فرضوها بالقوة و الدماء و قتلوا في سبيلها الكثير من المسلمين بعد أن أسقط العرب الخلافة الإسلامية بسيوفهم و أوقفوا سنة النبي و الخلفاء الراشدين من بعده بالعنف و بسياسة فرض الأمر الواقع.

دخل "الجبر" و "الإرجاء" في الجانب السياسي من عقيدة المسلمين كما دخل في الأمم من قبلهم. و المسلمون أمة كبقية الأمم يسيرون بنفس سنن الكون، فلا غرابة بأنهم سيتبعون سنن من كان قبلهم حذو القدة بالقدة حتى في السياسة. فأستبدلوا سُنَّة "أعف عنهم و إستغفر لهم و شاورهم في الأمر" لسنة معاقبة الناس و التضييق عليهم و مطاردة المخالفين و قتلهم و حرمان الناس من حقهم بالمشاركة في إتخاذ القرار و الإستئثار بمقدرات الشعوب و الإستنان بسنة كسرى بحكم الملوك و الأُسر الحاكمة. و تحول العلماء المسلمين من ورثة للأنبياء إلى سدنة لعروش الظالمين. و حولوا الحاكم الظالم من صورته الحقيقية كمنتهك لحقوق الأمة الإسلامية إلى صورة جديدة بأنه هو ولي الأمر، خليفة الله في أرضه و ظل الله على العالمين. و أصبح الحاكم مقدسا لا يجوز لأحد أن يخرج عليه، و لا حتى الإعتراض على شرعيته و لا على حكمه. و إن خرج عليه أحد، وجب على المسلمين أن يدافعوا عن ولي أمرهم و أن يقاتلوا و يقتلوا الخارج على ولي الأمر. و لكن الخارج على ولي الأمر، لو تمكن و نجحت حركته في إسقاط ولي أمر المسلمين، فإنه يصبح أتوماتيكيا ولي الأمر الجديد لأنه تغلب بحسب الفقه الجديد للمسلمين.

كانت تلك هي نهاية آخر الفتوحات الإلاهية. عندما تغيرت سنة النبي الخاتم. عندما تحول الدين لإن تطالب بحقوق الحاكم بدون تذكيره بواجباته و بأن تُطالَبَ الشعوب بواجباتها بدون أن تذكر لها حُقوقها. كانت آخر فرصة للإنسانية لكي تنعم بالحلم القديم. و ما أفكار أفلاطون و الفلاسفة الإغريق إلا حلقة من ضمن أحلام البشرية في تحقيق هذا الواقع الذي بدا للناس بأنه سراب لا يتحقق أبدا. فالظالم ما أن يتسلط حتى يبدأ بجمع كل القوى من حوله و يحول حكمه إلى أمر سماوي ديني لا يرضى الله بغيره. و لأنه يعلم أن الناس لن تصدق هذا الكذب فإنه لا يكتفي برجال الدين بل و يحيط نفسه بجلاوزة من الحرس و أنظمة أمن ليحفظوا حياته و يبقوا على سيطرته و جبروته. و السيناريو مكرر فهو بعد ذلك يتسلط على كل الوسائل الإعلامية من الشعراء الذين تذهب الركبان بالأشعار تمدحهم حتى بقية وسائل الإعلام من العصر القديم و حتى وسائل العصر الحديث.

تلك فرصة أضاعتها الأمة العربية لتقديم الحل السياسي لبقية الأمم. حل أتى بفتح سماوي، و هدية من الله لم يبذل فيها العرب في تاريخهم الجاهلي من الجهد ما يؤهلهم لتحقيقه بدون فتح سماوي. ما كان عليهم سوى العمل بنصيحة نبيهم الأخيرة "عُضُّوا عليها بالنواجذ". ماهي التي كان يجب أن نَعُضَّ عليها بالنواجذ؟ إنها كما قال النبي صلى الله عليه و سلم: "سنتي و سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي"؟ و لماذا لم يقل النبي سنتي و سنة أصحابي من بعدي؟ لماذا حصرها في الجانب السياسي فقط؟ لقد كان هناك عظماء الصحابة من السابقين الأولين من المهاجرين و الأنصار، من أصحاب بدر و من الذين بايعوا النبي تحت الشجرة فرضي الله عنهم. ما هو الشيء المهم في هذه السنة السياسية التي قال النبي صلى الله عليه و سلم في حديث آخر "أول من يبدل سنتي رجل من بني أمية"؟ نحن نقرأ التاريخ و نعلم حجم الخسارة التي تكبدتها الإنسانية من تبديل سنة النبي و خلفاءه الأربعة في حكم الشورى و التراضي بينهم و البيعة لذوي الكفاءة و من تختارهم الأمة بإرادتها بدون فرض بالقوة و لا توارث بين أفراد الأسرة.

و لكن الوقت بعد كل هذه المعاناة الإنسانية و في القرن السابع عشر قاد حان ليبدأ عصر الفتوحات الإنسانية. قبل ذلك كانت الفتوحات الإلاهية. تلك اللحظات من الزّمان التي يُنبأ فيها رجالٍ من الأرض بِخبر السّماء. أما الفُتوحات الإنسانية فهي تلك الأضاءات التي يَخرجُ بها عقل الإنسان بإذن الله و بدون وحي من السماء.

من أعظم الفُتُوحات الإنسَانية فِي التاريخ هو ما حدث في مدينة "جيمس تاون" التي سكنها المهاجرون الأوائل من الذين هاجروا من بريطانيا للعالم الجديد، أميركا. و قبل أن تكون هنالك الولايات المتحدة الأميركية. و كان ذلك من بداية القرن السابع عشر و حتى العقدين الأخيرين من القرن الثامن عشر. في جيمس تاون قام رجال من أواسط القوم بالتفكير في حلم تأسيس دولة الأحلام، دولة الحرية و العدالة و العيش الرغيد لأبناءها. حلم الإنسانية الذي تحلم به منذ وقت طويل.

كانت تلك هي مرحلة تكوين و كتابة الدستور الأميركي. مرحلة ما بعد أجيال الإكتشاف و ما قبل أميركا الإمبريالية. لم يأت هؤلاء بقيم و قواعد إبتكروها من لا شيء. بل بما وَرَثته الإنسانية من القيم السماوية التي أتى بها الأنبياء و تلك التي قدمها العلماء و الـمُفكرون من قبلهم. و هنا تكمن عبقرية العقل الإنساني عندما يتخلص من الجهل و الكبرياء. أن يقف أمام الموروث الفكري و الثقافي الإنساني بإحترام و أن يستخلص ضالته من الحكمة.

في الدستور الأميركي قدم "الآباء المؤسسون" أفكارا واقعية و عملية و قوية موثقة و ملزمة لتأسيس دولة القانون، لفصل السلطات التنفيذية و القضائية و التشريعية عن بعضها و عبر الهيكلة الفيدرالية للحكم متعدد المستويات. و قدموا قواعد لتداول السلطة و الإنتخاب و إدارة الدولة. أسسوا لحفظ حقوق الإنسان و واجبات المؤوسسات الحكومية. حرية الإبداع، التفكير و التعبير الذي قاد لحرية الإعلام و الرأي، و حقوق الفرد في الحياة و التملك و حرية التعبير المحفوظة دستوريا.

ماذا فعل الدستور الإميركي بأميركا؟ بل بالعالم بأسره؟

إن التقدم البشري في آخر مائتي عام هو شيء أقرب للخيال. فالذي يدرس حال الإنسان في القرون الوسطى يجده لا يختلف كثيرا عن حاله قبل عشرة آلاف سنة. فالتقدم الفكري و التقني خلال عشرة آلاف يمكن قياسه و يمكن أن نلاحظه. و لكنه يظهر لنا أنه على المستوى السياسي لازالت الأمم تُحكم بنفس الأنظمة الشمولية القمعية، و على المستوى التقني فالإنسان يستخدم نفس الأدوات القديمة لصنع الطعام و البناء و المواصلات. و على المستوى الطبي لا زال الإنسان يتبع نفس وسائل الإنسان القديم في التطبب، و قِس على ذلك في الجوانب الأخرى. و قد حدث بعض الإبداع الفردي عند الصِينيين و الهُنود و الإغريق و كثير من الأمم و بعد ذلك الأمة العربية تحت هَدْيِ الإسلام، و لكنها إضاءات متقطعة في تاريخ البشرية لا يمكن أن تسمى تقدما حقيقيا لأسباب واضحة. فهي أولا لم تشمل العالم و لم تحدث ثورة بحيث تمكنت كل الأمم من الإستفادة منها بشكل متبادل و متكامل و مستمر و ثانيا أنها كانت الإستثناء في المجتمع و الأمة الواحدة كلها فلم تكن حركة تطورية يقوم كل جيل بالبناء على من سبقه بشكل متزايد.

الدستور الأميركي كما يصفه باحثون في الدستور الأميركي أنه إختصارٌ لخمسة آلاف عام من تاريخ البشرية و قفزة للأمام لم ينتبه لها الزمان. بعد إقرار الدستور الأميركي و العمل به بسنوات قليلة فقط، كتب جورج واشنطون و توماس جيفرسون بأن أميركا و الشعب الأميركي يعيشون أمْنَا و رغدا من العيش و طمأنينة و تقدما و حرية لم يشهد التاريخ لها مثيلا. و لو إستعرضنا تاريخ الإنسانية في مائتي عام بعد ذلك لوجدنا تقدم الفكر و التعليم و التقنية و الطب و الفلك و كافة العلوم بشكل إستثنائي لم يسبق للإنسان أن حققه في فترة وجيزة. وجد الإنسان الأدوية فتم القضاء على الأوبئة و الأمراض و زاد متوسط عمر الإنسان و أصبح التعليم متاحا للجميع و إنتشرت الكتب و طُبعت فقرأها كل إنسان و إخترعت الكهرباء فتحكم الإنسان بالطاقة و أضيئت المدن، و أصبح السفر سهلا و أرتبط العالم بشبكة إتصالات وضعت في أيدينا قدرات لم يكن لمشعوذ من القرون البائدة أن يتخيل قدراتها الخارقة في التواصل. و صعد الإنسان للفضاء و وضع أجهزته على الكواكب الأخرى و أرسل سفنه الفضائية لأطراف المجموعة الشمسية و خارجها.

لم يحدث التقدم في أميركا فقط بل إنتشر في العالم كله و لكن كله إنطلق من أميركا و شع نوره من ذلك الفتح العظيم في جيمس تاون الذي تُوج بكتابة الدستور الأميركي. هذا ما يمكن لأوراق معدودة و لكتيب صغير، يحدد و يحفظ الحقوق و يؤسس لدولة متوازنة، عمله في تاريخ البشر و في حركة الزمان.

على الرغم من أنها دولة تأسست في العصر القريب، و لا تمتلك العمق التاريخي لدول الحضارات في أوروبا و آسيا و أفريقيا، إلا أن الدستور الأميركي هو أقدم الدساتير. و من أعظم الحكم التي يمكن للمؤمن أن يجد فيها ضالتهم في نظم هذه الدولة المتقدمة هو إيمانهم و حرصهم على كتابة كل الأسس و المقاييس لكل نظام. فالدستور المكتوب هو فقط البداية، و هو الرؤية الكلية لطموح الأمة و الإطار و الهيكل الأساسي العام. و لكن يجب أيضا كتابة كل القوانين و المقاييس لكل شيء بدون تهاون و لا تقاعس.

و في كتاب الله، يقول تعالى: "يا أيه الذين آمنوا إذا تداينتم بدين فأكتبوه". و اليوم نكتب الديون و نكتب ما هو أهم من الديون. فلا بد من عقود البيع و الشراء و لا بد للشركات من أنظمة أساسية و قوانين و مقاييس، و للدول قوانينها. و الآن يجب علينا أن نكتب لكل شيء ذو أهمية دستورا ثم قوانين و مقاييس. و أهم المؤسسات في حياة الأمة هي الدولة، التي يجب كتابة دستورها. و نحن أَوْلَى الأمم بكتابة دستورها، و قد أمرنا الله بأن نقرأ في أول كتابه و بأن نتعلم بالقلم، و أن نكتب الديون و العقود. بل أن الله في تلك الآية يقول "و لا يأب كاتب أن يكتب" ثم يقول "و لا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا". و الدولة و مصلحة الأمة أعظم من الديون و من الشركات و المؤسسات.

القرآن ليس دستورنا. القرآن هو أعظم من ذلك. هو أعظم من كونه كتابا قانونيا أو كتابا فيزيائيا يتحدث عن الدولة أو عن قوانين الفيزياء. القرآن الذي هو هدى من الله و نور، هو أساس كل الأنظمة و الدساتير. و عندما تكتب دولة دستورها فإنه لا يخرج عن القرآن و السنة و لا يعارضها. بل إنه يشرحها و يضع أحكامها في المواضع المناسبة لكي تدار الدولة بحكم الله. أن يكون هدفه سعادة الناس و تقدم الوطن في ظل أوامر الله و تعاليمه.

فلا يجب أن نترك كتابة الدستور بحجة وجود القرآن، كما أن المتداينين لا يتركون كتابة الدَّين بحجة أن القرآن هو الكتاب الأوحد الذي لا نحتاج معه للكتابة.

يقول علي بن أبي طالب مخاطبا الخوارج: "هذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق، إنما يتكلم به الرجال". و هو قول مهم في فترة مهمة من تاريخنا و أثناء فتنة فكرية عظيمة. و قد كانت من حجج الخوارج قولهم أن الحكم لله و ليس للبشر. فقال لهم علي بأن قول "الحكم لله" أو "أن الحكم للقرآن" ليس قولا يؤخذ بشكل حرفي. فالله لن ينزل من السماء لكي يحكمنا و القرآن لا ينطق لكي يفصل بين المتخاصمين. و لكن الحكم للرجال الذين يقرأون القرآن ثم ينزلون أحكامه على الأمور، و إن لم يجدوا في القرآن إجتهدوا بما يحقق الغايات التي أنزل من أجلها القرآن. و قول الخوارج المضلل هو قول لا يختلف كثيرا عن قول أن القرآن هو دستورنا فلا حاجة لنا بكتابة دستور يحدد مسؤولية السلطات المختلفة للدولة و يقرر الحقوق المدنية لأفراد الشعب و يكون نواة ينطلق منها التقدم و الإبداع. و حقيقة الأمر أن من يقول هذا فهو يقوله لكي يتهرب من كتابة و تقرير حقوق المسلمين و تنظيم الدولة بشكل يقضي على أي فرصة للفساد و الإفساد. و القضاء على الفساد هو أمر لا يحبه المتسلطون الذي إعتادوا على الأخذ بدون حدود و بدون محاسبة و كانوا بمأمن من المراقبة و من العقاب.

إننا نعيش فترة مميزة في التاريخ. فنحن نقف في تقاطع نورين إثنين: نور الفتح السماوي و نور الفتح الإنساني. فنحن ورثنا القرآن و السنة و نحن لدينا تجارب الغرب المضيئة. نستطيع أن نبني الوطن المثالي الذي لم تشهد البشرية مثله. نستطيع أن نختصر الزمان مرة أخرى و أن نصنع حضارة هي الأعظم في تاريخ الإنسانية. حضارة لا يستطيع الغرب أن يصل إليها لأنه لا يمتلك النور الإلاهي. و لكننا نحن نستطيع.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الله غير موجود

مفهوم الحرية ببساطة

العصور السبعة