نهاية الزمان

ماذا آكتب عن العقد الجديد؟

لم أفكر بجدية أن أكتب شيئا عن نهاية أول عقد في الألفية الثالثة. هو العقد الأكثر إثارة في تاريخ الإنسانية و هو الأكثر أحداثا و إنجازات. و لم أفكر أيضا بجدية أن أكتب عن العقد الثاني و الذي سيكون أكثر إثارة و أحداثا قياسا على الإمكانات العلمية المتوفرة، و حجم التحديات الراهنة.

و هناك عدة أسباب في عدم تفكيري الجدي هذا.

فإنني أنظر للسنوات و الأيام و الساعات نظرة شاملة. فالزمن لا يتوقف عند نقطة بعينها ثم يبدأ من جديد، و لا يقسم نفسه إلى فترات تاريخية متساوية كالعقود و القرون و الألفيات كما نفعل نحن. إنما هو مستمر غير منقطع. يسيل كما يسيل الماء تترابط جزيئاته فلا ترى فيها أجزاء و أقسام.

و الحقيقة أن الزمن لا يمكن أن نصفه بأن له جزيئات كالمادة. و لا نستطيع تحديد ماهية و طبيعية مكوناته. و نحن كبشر مولعون بتجزئة الأشياء و ترتيبها و ترقيمها بالتسلسل لكي نستطيع أن نفهمها. و كأننا نتعامل مع العقل كما نتعامل مع المعدة. فلكي تستطيع أن تأكل دون أن تغص بأكلك فتموت، عليك أن تجزأ أكلك لقطع صغيرة. و كذلك يجب عليك عمله مع دماغك.

لذلك إبتكرنا الثواني و هي فترة زمنية قصيرة يمكن أن نصفها بأنها المكون الأساسي للزمن. أو جزيئ الزمن. و الشرط الأساسي لكي يكون الجزيئ الزمني مقبولا هو أنه لا يمكن أن يحدث فيه أكثر من حدث واحد في نفس الوقت و في نفس المكان. و هو شرط قديم. و قد إبتكر القدماء مفهوم الساعة و هي جزء من اليوم. و اليوم هو الجزيئ الأقدم قبل خلق الإنسان. و كان الزمان عند القدماء أيضا يتكون من ساعتين هما ساعة الليل و ساعة النهار ثم تم تقسيم النهار بحسب موقع الشمس بينما لم يحظ الليل المسكين على تقسيمات عدة لأن معظم البشر الصيادون و المزارعون في ذلك الوقت كانوا أقرب للفطرة فكانوا لا يحتجون سوى معرفة أول الليل و آخره كوقت غروب الشمس و وقت شروقها لكي يبدأوا عملهم أو ينتهوا منه.

و مع حاجتنا المستمرة لتقليص الوقت قسمنا اليوم لأربع و عشرين ساعة ثم لدقائق و ثوان. ثم لأقل من ذلك بكثير عندما تطورت الهندسة الحديثة. و أصبح الجزيئ الأساسي لتكوين الزمن هو النانو-ثانية. ‪و النانو-ثانية نحصل عليها عندما نقسم الثانية لألف جزء لنحصل على ألف مِلّي-ثانية‬ ثم نأخذ كل مِلّي-ثانية و نقسمها لألف مايكرو-ثانية. و هي الجزيئ الأصغر للزمن، و لذلك تسمى المعالجات الحاسوبية «المايكروبروسيسورز». و هذه المعالجات تستطيع أن تقوم بعملية واحدة خلال مايكرو-ثانية واحدة فقط محققة الشرط المطلوب لكي تفوز بلقب «جزيئ الزمن» حيث أن هذا هو أصغر زمن يمكننا القيام فيه و في نفس المكان بعمل واحد.

و لو أخذنا المايكرو-ثانية و قسمناها أيضا إلى ألف جزء لحصلنا على النانو-ثانية، و التطورات العلمية الحديثة في هندسة المواد بينت أنه من الممكن بشكل كبير إمكانية تطوير «تقنية النانو» لتصبح حقيقة خلال العقد القادم مما يجعلني متفائل بهذا العقد كثيرا.

من الناحية النظرية يوجد «بيكو-ثانية» و هو جزء من ألف جزء من النانو-ثانية. و الخيال مفتوح و الأرقام لا تنتهي. و يمكننا أن نتخيل ما يحلو لنا و لكن العلم و الواقع يفرض علينا أن نجد تلك الوحدة المتناهية في الصغر و لكنها يجب أن تحقق الشرط المطلوب.

و ربما يكون الرياضي الألماني كونتور هو أعظم من حاول فهم المكون الأساسي للزمن في رحلته المشهورة في فهم «المالانهائية». و قد أدى به ذلك إلى الجنون. و قد قيل عنه أنه جن لأنه حاول فهم الله لأن الله هو الدهر، و مصداقا لقول النبي بأن من تفكر في الله هلك. و الله أعلم.

و حتى لا نهلك و نصاب بالجنون نحن أيضا، فإني سوف أعود للمحور الذي بدأت به و هو عن إنجازاتنا خلال العشر سنين التي إنتهت لتوها. و ما هي آمالنا في العشر سنين القادمة. و هو مقياس دقيق بالنسبة لنا. فنحن العرب و المسلمين لا نتطور بسرعة النانو-ثانية و لا حتي بسرعة السنة الوحدة. بل أن عقدا من الزمان أو قرنا أو حتى عدة قرون تأتي و نعيشها ثم تنقضي دون أن نتقدم أو أن نؤثر تأثيرا كبيرا في مسيرة الإنسانية.

و لا أدري لماذا نحمل ساعات في أيدينا؟ و هل نحن فعلا نهتم أن هناك أربعا و عشرين ساعة في اليوم؟ و هل لدينا الرغبة فعلا في القيام بأربع و عشرين عملا في نفس اليوم؟

و الغريب في ثقافتنا الزمنية أننا نتحدث عن «نهاية الزمان» أكثر من حديثنا عن الزمان نفسه. و كأننا وصلنا لأعلى مراتب الإنسانية و قمة التطور و التقدم. و كأننا تحدثا بما فيه الكفاية عن آمالنا و أحلامنا و إنجازاتنا و لم يبق لنا سوى الحديث عن هذا الزمان متى ينتهي؟ و كيف أنه إذا إنتهى فسوف نذهب للآخرة و ندخل الجنة و ستدخل بقية الأمم النار. في عقيدة مشابهة لعقيدة «شعب الله المختار» الذي ما عليه تجاه الزمان سوى «الإنتظار» و قضاء كل هذا الوقت صابرا. سلبي و غير منتج لكي يدخل الجنة دون حساب و لا عذاب. فالله قد إختاره للإيمان و للجنة و أنتهى الأمر و لم يعد يفصلنا بين زماننا و الجنة سوى نهايته.

و رحم الله إبن تيمية الذي قال «من لم يدخل جنة الدنيا لم يدخل جنة الآخرة».

فالإنسان يولد و هو خارج الجنة و خارج النار و لا ينفعه أن يكون ولد في مجتمع مسلم أو كافر فعليه أن يستحق الجنة لكي يدخلها لأن سلعة الله غالية و سلعة الله هي الجنة. و سلعة الله لها ثمن باهض و لكن هذا الثمن لا يمكن دفعه إلا في الدنيا. فهي مزرعة الآخرة. و لا يمكن للإنسان أن يدفع ثمن الجنة في الآخرة و لا بعد الموت. و المزرعة كما نعلم أهم من الثمرة. و لهذا فالدنيا أهم من الآخرة لمن أراد أن يفوز بالجنة. فيجب عليه أن يعمل في مزرعته و يصلحها و يسقيها و يستثمر فيها كل وقته و جهده حتى يقطف الثمرة، فإذا قطفها فلا يهمهم بعد ذلك إن إحترقت أو غرقت الدنيا. و الآخرة هي الأبقى. والباقيات الصالحات من الآعمال و الحسنات لا يمكن تحقيقهن إلا في الدنيا.

لذلك فإن علاقتنا بالزمان و بالمكان كلها سقيمة فالدنيا التي كان يشير إليها القرآن و كذلك النبي صلى الله عليه و سلم تعني غرور الحياة و الشهوات و الفتن التي تلهي الإنسان عن المعنى الحقيق للحياة من بحث عن الحق و العلم و العدل و الحقوق و العمران و التطور و التقدم.

و علاقتنا مع الزمان علاقة وراثية فنحن نتوارث همومنا و مشاكلنا و أزماتنا كما نتوارث عادتنا و آفكارنا. نتوارث مشاكلنا بنفس الإخلاص الذي نتوارث فيه تقاليدنا. فالأجيال التي لم تشهد وفاة النبي و بعد ذلك مقتل عمر و عثمان و علي و الحسين و كل الفتن و الثورات و الظلمات التي هزت الأمة وقتها توارثنها جيلا بعد جيل بدون أن يجد أي من الأجيال لها حلا. لكي ترتاح الأجيال التالية و ننتهي منها. لا بأس من الأزمات و المصائب فهذا حال الأمم. و لكن المعضلة هي أننا لا نحل المشاكل التي تعصف بجيلنا ثم نتعامل مع مشاكل جديدة و هكذا، فالتجديد في الصراعات هو طبيعة المجتمعات المتقدمة. و الجيل الواحد يجب أن يكون قادرا على حل مشكلته بنفسه بدلا من توريثها لأجيال من بعده.

و كذلك لم يشهد أحدا من القرون الثمانية السابقة سقوط الأندلس و لكننا نتوارثها عبر الأجيال و كل ما جاء جيل تألم و كأنه هو السبب في سقوطها. و سقطت الهند و الفلبين و معظم المدن الإسلامية في الشرق. ثم سقطنا كلنا تحت الإحتلال الإوروبي المسمى بالإستعمار.

و جاءت أجيالنا الحديثة في القرنين التاسع عشر و العشرين تصارع الإستعمار و التخلف و هينمة الأتراك فورثتنا مصائبها هي الأخرى و أكبرها بالطبع هو فقدان فلسطين و هي أيضا من النكبات التي لم يشهدها أحد من أجيالنا التي تدخل الألفية الجديدة بآمال مبهمة و لكنها تحمل إرثا ضخما من النكسات.

لا أستغرب أن ينكب القادة العرب و أصحاب القرار و أصحاب الحل و العقد في بلادنا العربية على الملذات و الشهوات و سحق الحريات و الحقوق و إستغلال البلاد و العباد و هم في موقف الذي يجب أن يتعامل مع كل هذا الأرث من المشاكل. فأسهل من مواجهة المصائب الهروب منها.

و لا أستغرب من أن ينكب الشعب العربي على فكرة «نهاية الزمان» و يبحث فيها و يقرأ لها أكثر من أي شئ آخر. فهو يتطلع لتحقيق آماله و حقوقه بكثير من اليأس و قليل من الأمل. ففي نهاية الزمان آمال كبيرة و أحلام لا تنتهي يمكن أن تتحقق للعربي المظلوم.

و الحمد لله، ففي الآخرة ستنتهي معاناتنا مع الزمان، و ستتوقف كل الساعات. و سيعيش أهل الجنة و أهل النار في خلود دائم. و عند ذلك أنا متأكد بأننا نحن العرب ستنتهي مشاكلنا كلها.

ستنتهي آلامنا عندما يتوقف الوقت و ينتهي الزمان.

تعليقات

  1. يا عبدالله هذا الشعب خلق مشكلات للأزمان القادمة حتى بعد تنتهي معاناتنا مع الزمان
    مشاكل المشتقبل !

    ردحذف
  2. صدقت و الله
    لانملك العزيمة وذلك لطول أملنا الملبس باليأس

    ردحذف

إرسال تعليق

يمكنك التعليق على هذه المقالة

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الله غير موجود

مفهوم الحرية ببساطة

العصور السبعة