العصور السبعة

”العصر النباتي“ هو المرحلة الأولى لوجود الإنسان على سطح الأرض، و فيها عاش الإنسان في جنة من النخيل و الأعناب و كل دان قطفه من الثمار و الفواكه. و لربما كانت هذه المرحلة التاريخية هي التي أخبرنا القرآن أنها الجنة التي سكنها آدم و زوجه و من كان معه من ذريته فيما بعد. تعرضت بعدها الأرض لسلسلة من التغييرات المناخية مما أنهى مرحلة الجنان المنتشرة و الثمار التي تخرج في كل أيام السنة و تستبدل الحياة على سطحها بالحيوانات المتوحشة و تضمحل معها المسطحات النباتية و تتحول فيما بعد إلى ثمار موسمية لا تخرج إلا في فترة قصيرة من السنة.
الإنسان الذي قضى الله أن يكدح في هذه الدنيا كدحا حتى يلاقيه، أضطر في تلك المرحلة لتغيير حياته و البحث عن الطعام بطريقة مختلفة في ظل الشح الشديد في الإنتاج النباتي. و بقدرته على الإبتكار و الإبداع بدأ الإنسان مرحلة ”العصر الحجري“ بإختراع الأسلحة البدائية من الأحجار و العظام التي إستخدمها لإصطياد الحيوانات و الطيور من أجل أكلها. لا أستطيع تخيل مرحلة التغيير تلك التي أضطرت الإنسان البدائي من التحول من كونه إنسانا نباتيا إلى إنسان آكل للحم النيء. و لكن يبدو أنها كانت مرحلة قاسية جدا.
إنتقل الإنسان بعدها في عدة مراحل إبتداءا بحصوله على معرفة إيقاد النار ثم شوي اللحم. حتى نهاية ذلك العصر بمرحلة سجل الإنسان فيها لأول مرة همومه و أحاسيسه على جدران الكهوف و كأنه يرسل رسالة لملايين الأجيال التي ستأتي بعده. تلك الكتابات لا توحي بشيء أكثر من رسومات بسيطة للأرض و السماوات و للإنسان و الحيوانات التي يصطادتها الإنسان و رموز للقوة العظمى و كأن القدماء يتفكرون في خلق السماوات و الأرض و في خالق كل هذا الملكوت.
و على الرغم من ذلك فأنها تدل على أننا لم نتطور كثيرا في طريقة تفكيرنا الأساسية التي لا تزال نفسها بغض النظر عن تغير التقنيات و الآلات و العلوم. و كأن تلك الأسماء التي علمها الله لآدم حين خلقه هي كل ما نحتاج في أي عصر كنا و في أي زمن سنكون. كانت تلك الأسماء هي ”الأسماء كلها“ و كل جديد بعدها ما هو إلا تفصيل في داخل ذلك السياق.
”العصر البرونزي“ هو مرحلة إنتقال نوعية في التقنية التي إستطاع الإنسان أن يطورها بقدرته على مزج المعادن. بعدها إستطاع الإنسان أن يصنع الحراب و السكاكين و الدروع و من تطوير تقنيات مكنته من إصطياد الحيوانات أكثر بفضل تقنيات خفيفة و سهلة الإستخدام و فعالة حتى ضد منافسيه من بني جلدته.
بين تلك العصور تغيرت مهارات البشر من مهارات بسيطة لقطف الثمار إلى مهارات نحت الحجر ثم إلى مهارات التعدين.
التطور الإجتماعي لم يتسارع في تلك المراحل و ظل الإنسان يعيش حياة البادية و الترحال بحثا عن الفرائس و عن المواسم المختلفة للثمار في أنحاء الأرض. كل هذا سيتغير في العصر التالي عندما يكتشف الإنسان أحد أهم الإكتشافات في تاريخه.
”البذور“ هي ذلك الإكتشاف. حيث توصل الإنسان لمعرفة كيف تنمو النباتات، مما مهد لما يسمى ”بالعصر الزراعي“ عندها تغيرت كل النواحي الإجتماعية و الإقتصادية للإنسان الذي تحول من البادية للإستيطان و الإستثمار في الزراعة. لاحقا سيكتشف الإنسان قدرته على ترويض الحيوانات المتوحشة و تدجينها للإستفاده من لبنها و صوفها و لحمها. و منذ ذلك الوقت دخل مفهوم القرية و من ثم المدينة للحضارة الإنسانية مما أعطى أبعاد إجتماعية جديدة و ولادة علم الإدارة الإجتماعية و لاحقا التكوين الأول للعلوم السياسية بسبب وجود العديد من القرى و التجمعات السكانية التي ستحتاج للتواصل و تكوين العلاقات بسبب الثورة الزراعية.
قد تلاحظ أن التصنيف التاريخي لهذه العصور يعتمد أساسا على الإقتصاد بينما العوامل الأخرى تأتي بشكل ثانوي.
في العصر الحجري، إرتقى الإنسان بالمهارات اللازمة للإقتصاد و للثراء، فالإنسان النباتي أصبحت مهاراته التي كان التنافس فيها هو الفيصل لتحديد الأفضل تم إستبدالها بمهارات جديدة و أصبح الماهر في صقل الأحجار و نحتها هو الثري و المهيمن. ثم إنتقلت الثروة في العصر البرونزي لأولئك الذين إمتلكوا مهارات التعدين. و لكن الإقتصاد سيتغير تمام في العصر الزراعي و سيسطر المزارعون على مفاتح الثراء و الإقتصاد.
هذه السنة تتكرر مجددا عندما وصل العصر الزراعي لنهايته ببداية ”العصر الصناعي“ قبل بضعة قرون فقط. عندها أصبحت الصناعة هي الإقتصاد و أصبح الصناعيون هم الأثرياء و هم الذين إستطاعوا من تحويل كل شيء إلى عملية تصنيع، بما فيه الزراعة نفسها. التطور العلمي السريع في علوم الفيزياء و الكيمياء قادت لثورات علمية كبيرة في الهندسة، مكن الدول التي تسيطر على التقنية من التفوق إقتصاديا و حضاريا على بقية الأمم.
لكي يتمكن الإنسان من النجاح إقتصاديا فمن المهم أن يقوم بدراسة و فهم العصر و السياق الإقتصادي الذي يعيش فيه.
لو لاحظنا الخط الزمني للعصور لوجدنا أن العصور الأولى إستغرقت مئات الآلاف من السنين. و كل عصر سيستغرق أقل من الذي هو قبله مما يعني أن المعرفة الإنسانية تتسارع مع الزمن و تتضاعف بسرعة. يدل على ذلك نهاية العصر الزراعي بعد بضعة عشرات من السنين فقط.
و كذلك العصر الصناعي الذي كان بدأ في القرن السابع عشر بإختراع الآلة البخارية إنتهى مع نهاية القرن الماضي أو بداية هذا القرن. فالعلوم و التقنية كلها متاحة للجميع. الصين و الهند و البرازيل كلها أصبحت دول عظمى و سيكون لها دور في المستقبل. اليوم نحن في عصر جديد. عصر مهد له ظهور الكمبيوتر و وسائل الإتصالات و الإنترنت.
نحن الآن في ”عصر المعلومات و الإتصال“.
اليوم، القوة و النجاح سيكون في من يملك المعلومة الصحيحة بسرعة. و إن كانت لديك رغبة في التجارة، في أن تكون رجل أعمال، أو للدول أن تكون ناجحة إقتصاديا فعليها أن تنسى كل الأفكار من العصر الحجري حتى العصر الصناعي و أن تبدأ بالتفكير بعقل العصر الجديد. بعقلية عصر المعلومات. نحن في عصر لا يسمح بالعقليات القديمة بالوجود و المنافسة. تلك العقليات التي تعتقد أنها قادرة على محاصرة المعرفة و التحكم بالشعوب كما و أنها لا تزال تعيش في العصور السابقة.
العالم العربي اليوم لا يقدم شيئا في المعرفة الإنسانية و لا تعد مشاركته البائسة في المعلومات و الإتصال شيئا يذكر بعد أن دخل عصر الصناعة و خرج بدون أن نشارك في هذا الإحتفال العالمي و كأننا لا نوجد على سطح هذا الكوكب.
التحدي الأكبر هو أننا نعيش في مجتمعات مركزية، عقول متخذي القرار و صانعي الإستراتيجيات فيها لازالوا يعيشون بمشاعر إنسان العصر الحجري الباحث عن الغذاء، كان ذلك الإنسان يعيش منافسة غير سهلة أبدا فإن لم يأكل فسيتم أكله، و أن لم يصطد مات جوعا. و بأفكار إنسان العصر البرونزي الراغب في إحتكار المعادن و الحجارة و الثروة و التحكم بالأراضي و المقاطعات لكي لا يصل إليها غيره.
ليس من المستغرب إذن أن نعيش و كأننا غرباء في هذا الكوكب مع بقية البشر، من دون أن يكون لنا دور، و من دون أن نفعل شيئا لكي نقدم دليلا على أننا نستحق الحياة. مادمنا نعيش عدم تناغم مع العصر الذي نعيش فيه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الله غير موجود

مفهوم الحرية ببساطة