المشاركات

عرض المشاركات من 2009

نهاية الزمان

ماذا آكتب عن العقد الجديد؟

لم أفكر بجدية أن أكتب شيئا عن نهاية أول عقد في الألفية الثالثة. هو العقد الأكثر إثارة في تاريخ الإنسانية و هو الأكثر أحداثا و إنجازات. و لم أفكر أيضا بجدية أن أكتب عن العقد الثاني و الذي سيكون أكثر إثارة و أحداثا قياسا على الإمكانات العلمية المتوفرة، و حجم التحديات الراهنة.

و هناك عدة أسباب في عدم تفكيري الجدي هذا.

فإنني أنظر للسنوات و الأيام و الساعات نظرة شاملة. فالزمن لا يتوقف عند نقطة بعينها ثم يبدأ من جديد، و لا يقسم نفسه إلى فترات تاريخية متساوية كالعقود و القرون و الألفيات كما نفعل نحن. إنما هو مستمر غير منقطع. يسيل كما يسيل الماء تترابط جزيئاته فلا ترى فيها أجزاء و أقسام.

و الحقيقة أن الزمن لا يمكن أن نصفه بأن له جزيئات كالمادة. و لا نستطيع تحديد ماهية و طبيعية مكوناته. و نحن كبشر مولعون بتجزئة الأشياء و ترتيبها و ترقيمها بالتسلسل لكي نستطيع أن نفهمها. و كأننا نتعامل مع العقل كما نتعامل مع المعدة. فلكي تستطيع أن تأكل دون أن تغص بأكلك فتموت، عليك أن تجزأ أكلك لقطع صغيرة. و كذلك يجب عليك عمله مع دماغك.

لذلك إبتكرنا الثواني و هي فترة زمنية قصيرة يمكن أن…

دعاء لحظات ساحرة

يبدو أنني أعيش كل اليوم من أجل لحظات قليلة قبل النوم.

لحظات صفاء، أترك فيها الدنيا كلها. كل ما أملك و كل ما لا أملك. أترك فيها كل الجراحات و الأمنيات، لتلك اللحظات. تلك هي متعتي.

اللحظات الفاصلة بين الإغماضة الأولى و النوم، لا أعتقد أنني قادر على الإبقاء على كامل تفكيري لقياس تلك المسافة بين الوعي و اللاوعي. فإن علمت اللحظة الأولى فلن أستطيع معرفة تلك اللحظة المحددة التي تتوقف فيها أفكاري. لا أستطيع أن أتذكر آخر فكرة قبل أن أستسلم للنوم.

و لكنها فترة قصيرة مليئة بالأفكار و السحر و الخيال اللامحدود الذي لا أطيقة و أنا خارج تلك اللحظات و لو أجهدت في التفكير قواي.

لا أدري هل هي حالة من السُكر أم هي حالة روحانية. هل يمكن تفسيرها بيولوجيا أم أنه إتصال ميتافيزيائي من ما وراء الكون يذكرنا كل يوم بأننا أرواح في أجساد، بأن لا تغرنا الحياة الدنيا و أن لا يغرنا بالله الغرور.

رب لما خلقت الظالمين؟

رب لم خلقتهم، ألم يعصوك بظلمهم؟ ألم يفسدوا في الأرض؟ ألم ينتهكوا المحرم؟ أنت ربي غني عنهم، و لن يضروك شيئا. و لكننا عبادُك. رب لما خلقتَهم؟ ألمْ يظلِموا عبَادك؟ ألمْ ينتَهكوا حُقوقنَا؟ ألمْ يقتُلوا إبد…

وهم المعرفة

لدى الإنسان رغبة دائمة بإستعراض تميزه المعرفي و التبختر بما قد لا يعلمه غيره و ما يظن أنه يعلمه هو، و كأنه قد إكتشف شيئا كان غائبا عن كل البشرية. و عندما يأتيني من يعلمني ما لم أعلم، فإنه لا يمكث كثيرا في محاضرته قبل أن يوقظ بي الغرور و الكبرياء لأعارضه و أنتقد أفكاره حتى و لو كانت صحيحة. فالهدف الإنساني ليس هو المعرفة بحد ذاتها و لكنها الغريزة الأساسية بأنك إن لم يكن لك تأثير في الوجود فأنت زائد عليه. لذلك فإنه شعور غير واع بأننا على قدر كبير من المعرفة و من الذكاء.

و ما أقساه و أبغضه من شعور للنفس بأنك غير مهم أو غير مؤثر. لذلك فإن حياتنا هي صراع مستمر بين الإطمئنان للحياة، و بين التبرير و اللوم و النقد لكي لا نقع خارج دائرة المهم. صراع يبقي النفس تراوح بين أن تكون مطمئنة و بين أن تكون لوّامة.

الذي لا يعلم، و هو يعلم أنه لا يعلم، تراه يستمع كثيرا و يتكلم قليلا. تراه يتفكر و يتأمل أكثر مما يفكر. ذلك هو الإنسان في أقرب ما يكون إلى حقيقته، فهو لا يعلم شيئا. و عندما يصل لمرحلة الوعي و منزلة المدرك المطمئن بأنه لا يعلم، يكون قد كسر صندوق الحياة عن ثروة عظيمة.

ذلك هو الإنسان الحكيم.

أما ا…

خارطة التيه

منذ اليوم الوطني حتى اليوم، مرت ثلاثة أسابيع. حفلت بالعديد من الأحداث السريعة ذات الدلالات العميقة التي إن شئت تجاهلتها و إن شئت تفكرت فيها لتضعها في إطارها العام لكي تفهم المسار العام للأحداث و كيف ستكون التطورات القادمة.

ثلاثة أسابيع، بتأنيث العدد و تذكير المعدود. فمن التخريب الذكوري في يوم إحتفال اليوم الوطني، إلى التطور الأنثوي في الجامعة المختلطة الجديدة. هناك إشارات عديدة لصراعات عديدة ذات طبائع متعددة تحدث في نفس الوقت و تتقاسم نفس الأحداث.

فكرة الإحتفال باليوم الوطني لم يقتنع بها الناس كثيرا و هم يعيشون البطالة و الإقصاء و التخلف الحضاري في ظل الحرمان من الحقوق و المشاركة الشعبية و الحرمان من الإعتراف بهم و بعقولهم و بمشاعرهم و وضع حاضرهم و مستقبلهم تحت الوصاية القسرية.

ليس هنالك وجود حقيقي للشعور بالهوية و لا بالوطنية لدينا و ذلك لا يعود لتقصير من المواطن بل لعدم وجود حقيقي لمفهوم الوطن. هنالك حدود مادية للوطن و لكن الحدود الروحية غير واضحة. و التعريف الوطني و دور المواطن و مكانه فيه غير معروف. ففكرة الوطن الذي يشارك فيه المواطن لم تتحقق و هي تتعارض مع فكرة المملكة التي يرضخ …

أبطال الأزمات

نحن نعلم و نؤمن بأهمية منع الكوارث قبل حدوثها و لكننا نحتفل بالذين ينقذوننا من الكوارث بعد أن تحدث و نسميهم أبطالا و شهداء، و لكننا لا نذكر أولئك الذين يعملون لكي لا تحدث الكوارث، و يموتون و هم نكرات غير مأسوف عليهم.

الذين يأتون وقت الحريق، فينقذون طفلا صغيرا بعد موت كل من في البيت و أحتراقه هم أبطال، لأنهم يمثلون لنا ذلك المثل عن التضحية و الجسارة و مواجهة الموت. لا أحد يسأل لماذا حدث الحريق، و من هو المسؤول عنه، و كيف لم تتخذ الإجراءات اللازمة لمنع حدوثه أصلا. أولئك الذين يعملون لمنع الحريق و العمل على التنبؤ به، يمنعون آلاف الحرائق و ينقذون آلاف الناس و لكنهم لا قيمة لهم.

عندما تعمل المجتمعات برؤية و أهداف صادقة لتوفير البيئة المناسبة لحياة آمنة و كريمة حتى لا تحدث الأزمات فإننا لا نذكر منها أبطالا. و لكن الأمم التي تتخبط في مسيرتها بشكل عشوائي، تعيش في أزمات مستمرة و حرائق لا تنتهي تمتلأ بالأبطال. لديها ملايين الشهداء و ملايين التضحيات، و لكنها أمم تبقى متخلفة. لأنها ترى أن الأبطال هم من يأتي بعد موت آلاف الضحايا لينقذ البقية. ذلكم الرهط الذين يقفون على تل من جثث ضحايا الأزمة ليخط…

نحو العقل

في العام ١٩٩٠ صادق الكونجرس و الرئيس الأمريكي على قرار يجعل من التسعينيات من القرن العشرين ”عقد الدماغ“. عشر سنوات، تمول الدولة مشاريع أبحاث و تطوير التقنيات بشكل مكثف لمحاولة فهم أسرار التفكير، التفاعل، العواطف و التعلم. كان هدف المشروع هو دخول الألفية الثالثة بفهم أعمق و أفضل لتلك الأداة التي تميزنا عن بقية الكون.

كبار الباحثين و مراكز البحث و التطوير إستغلوا هذه الفرصة و أصبحت هناك حركة واسعة للبحث عن أسرار الدماغ. و لم يمض الكثير من الوقت حتى إتسعت هذه الموجة و إنفجرت مراكز الأبحاث و التطوير و الجامعات و المختبرات بآلآف الإكتشافات و المفاجآت عن كيفية عمل الدماغ. و قد ساعدت تقنيات تصوير الرنين المغناطيسي و التوموغرافي في مراقبة كيفية عمل و تفاعل الدماغ أثناء التفكير، النوم، الأكل و الغضب و الذهول و الحالات النفسية المختلفة في المواقف المختلفة كمقابلة أشخاص لم ترهم منذ زمن طويل و آلاف الحالات الأخرى.

كانت كل الدراسات القديمة لطريقة عمل الدماغ هي دراسات لا تعدو كونها دراسات نفسية أو إجتماعية تتعلق بطريقة تصرفاتنا الخارجية و محاولات الربط بينها و بين الحالة العقلية. كانت تقوم على التك…

البداية و النهاية

تسير الطبيعة نحو التوازن بشكل مستمر في كل لحظة بإصرار بالغ. أسكب ماءا علي حجر و أنظر إليه كيف يسيل من الأعلى مستسلما للجاذبية الأرضية حتى تستقر كل ذرة فيه لمستقر لها يحقق التوازن. عندما رفعت الكأس إلى أعلى فإنك قد بذلت جهدا معاكسا تختزله ذرات الماء ثم تعيده مرة أخرى للطبيعة عند سقوطها. تتقاسم الذرات تلك الطاقة فيما بينها لتستقر كل ذرة في مكان ما على سطح الأرض.

أمزج ماءا مالحا بآخر غير مالح لتبدأ عملية إنتقال الماء و الملح في المزيج. و لن يهدأ المزيج و يتوقف عن هذا الغضب حتى يصل لمرحلة التوازن. هكذا هي الطبيعة لا تهدأ أبدا حتى تصل لمرحلة التوازن. و في بحثها الذي لا ينتهي عن التوازن، لا تصل الطبيعة أبدا للتوازن. فلو كان من الممكن أن تصل للتوازن لوصلت إليه منذ وقت طويل. و لكن التنوع في الطبيعة يتكاثر و التطور يزداد و الأنظمة الطبيعية تتنافس في تعقيدها و الذكاء الكوني بشكل عام في إرتفاع. و لكن القوانين الطبيعية لا تزال تسير نحو التوازن.

التناقض واضح.

و التوازن الكلي هو أن تكون كثافة كل نقطة في الكون واحدة. فلا معادن و لا هواء و لا طاقة بل جسم متماسك من المادة الواحدة ككرة البليارد لا يختل…

تهافت الأصولية

بأحداث بداية القرن الحادي و العشرين، الحادي عشر من سبتمبر، التفجيرات و قتل المدنيين في أعمال إنتحارية أكتمل عقد الإنجازات الأصولية.

فمن عنف الأصوليات القديمة إلى عنف الأصولية الليبرالية و الإمبريالية في بداية القرن في الحرب العالمية الأولى لتقاسم العالم إقتصاديا و التبشير بنظام عالمي جديد تكون الغلبة فيه للتطور و الحرية و الدستور و القانون كبديل عن المجتمعات المتفرقة المتناحرة الجاهلة الغير مفيدة إقتصاديا و لا ثقافيا. التبشير بحياة ليبرالية جديدة تكتسح كل الثقافات الأخرى و تستبدلها بعقلية جديدة تمكن حاملها من التمتع بمستويات جديدة من رغد العيش.

و في الحرب العالمية الثانية برزت الأصولية الأثنية، العرق الآري و الياباني. تلك هي خلاصة التطور الطبيعي للإنسان و للخلق. لا غيرها. فالخلق بدأ بإنفجار عظيم من الهيدروجين تحول لمواد متعددة. تطورت بعدها المادة عبر بلايين السنين لتكون النجوم و من بعد إصطدامات كثير و توسع للكون و إنخفاض لدرجة الحرارة تكونت الكواكب و منها كوكبنا الذي تجمع فيه الماء بعد بليون سنة من نشأتها التي قضاها في موت حقيقي. نشأت فيه الحياة بعد ظهور الماء و إستمرت الحياة البكتيري…

المدونة الخالدة

التدوين، أعظم من كونه كتابة. فهو شهادة بالحق، تتنزل و تتوالى. تأتي أجزاءا متتالية. و إن كان كل جزء يأتي في يوم معلوم و بمقصد مفهوم قد لا يرتبط بما قبله و لا ببعده في ظاهره، فإن المدونة لها رسالة كبرى قد لا يعلمها حتى كاتبها. تلك الرسالة هي القناعات التي في عقولنا و الأفكار التي تؤرقنا. تلك الإيمانيات هي التي تسوق خواطرنا لمذبح أقلامنا فتسيل الدماء و تخرج أرواحها كلمات. خرجت من داخلنا و أصبحت كائنات مستقلة عنا لا نملك من أمرها شيئا.

القرآن هو المدونة الخالدة.

ذلك الكتاب الذي نُزِّل منجما و ليس جملة واحدة. نزل أجزاء كثيرة في ثلاث و عشرين سنة. و كأن القرآن الكريم هو المدونة الإلهية، كتبت تدويناتها في أيام متفاوتة و في مناسبات متفرقة و لأسباب مختلفة. تلك هي مدونة الله تعالى، و إن كان هنالك شك في أهمية حياة النبي و سيرته، فإنه يزول عندما نعلم أن الله قد كتب مدونته ليحفظ سيرة عبده و رسوله للأبد.

منذ ذلك المساء في غار بأحد أطراف مكة، كتب الله التدوينة الأولى ”إقرأ بإسم ربك الذي خلق“. رابطة القراءة بالخلق. تلتها آيات كثيرة تدون حياته و دعوته و تحفظ سيرته و تجيب عن أسئلة كثيرة، تواجه المكذبين …

الأموات الأحياء

وجدت أننا نعيش حياة لا نستطيع إختيار الكثير من تفاصيلها.

نحن لا نختار آباءنا. و لا نختار أمهاتنا. نولد لأبوين نرث منهما حالهما الإجتماعي، التعليمي و الإقتصادي. لا نختار أنفسنا، و لا أشكالنا و لا حتى أسماءنا.

لا نختار المجتمع الذي نعيش فيه، لا نختار متى نولد، في أي عصر نعيش و لا نختار متى نموت.

نلبس كما لبس آباءنا و نأكل ما إستطاب أكله آباءنا و ندين بأي ملة كان عليها آباءنا. فكذلك وجدنا آباءنا و نحن على آثارهم مقتفون.

نحن لا نختار الأمر الأهم، ذلك هو حقنا في إختيار ما إن كنا نريد أن نوجد إبتداءا. إن كنا نريد أن نولد و أن نعيش في هذه الدنيا أم لا. لربما أنا لا أريد أن أولد. و لو كان لي إختيار في ذلك لكان كما قال عمر بن الخطاب: ”لوددت أني أنجو منها كفافًا، لا أوجر ولا أوزر“.

و لزيادة الأمر سوءا فأنه في حياتنا التي لم نختر أي من تفاصيلها قبل أن نولد، فنحن لا نحصل أيضا على فرصة الإختيار كثيرا بعد وصولنا إليها. فقدراتنا البشرية تحد من حريتنا في الإختيار. فنحن مخلوقات أعمارها قصيرة، فعلى الرغم من طول الزمان فإننا لا نعيش إلا في فرصة محدودة الوقت. لا نطير و لا نمتلك الكثير من القدرات الجسدية.…

القرية الظالم أهلها

منذ بداية وجودنا على هذا الكوكب، في هذا العالم، و منذ الأيام الأولى لتكوّن المجتمعات الإنسانية كانت هناك الصراعات و التنافس و محاولة السيطرة على الموارد و الأرض، بل و حتى التحكم ببعضنا حتى و لو وصل ذلك للتعدي و الظلم. و على الرغم من أنه لا يوجد لنا منافس على وجه الكوكب و قد سخره الله لنا و به من الخير و المال و العطاء الشيء الكثير، و حتى في الأيام الأولى لوجود البشر حيث كانت أعدادنا قليلة، فقد تطور هذا المرض النفسي لدى الإنسان مبكرا.

تكوّن مفهوم الدولة مبكرا في مسيرة تكون الحضارات الإنسانية. ربما لم هنالك حاجة للدولة في العصر الحجري حيث لم يكن يحتاج الإنسان لأكثر من كهف يأويه و بعض الأدوات البسيطة لكي يصطاد و يشعل النار. و لكن بُعيد ذلك بقليل، في العصور التي أكتشف فيها الإنسان الحديد و بدأ بمعرفة قيمة المعادن و مافيها من قدرات تمكنه من تطوير أدوات الصيد و الزينة، بدأت أهمية الأرض و أهمية المكان الذي توجد به هذه المعادن. و كذلك في عصر الزراعة، حيث لا تصلح كل الأرض للزراعة و لا تتوفر الأمطار إلا في مناطق دون أخرى.

تكون مفهوم المجتمع و الدولة إذن قام على فكرة ”الإقتصاد“ و المال و الأعمال…

العصور السبعة

”العصر النباتي“ هو المرحلة الأولى لوجود الإنسان على سطح الأرض، و فيها عاش الإنسان في جنة من النخيل و الأعناب و كل دان قطفه من الثمار و الفواكه. و لربما كانت هذه المرحلة التاريخية هي التي أخبرنا القرآن أنها الجنة التي سكنها آدم و زوجه و من كان معه من ذريته فيما بعد. تعرضت بعدها الأرض لسلسلة من التغييرات المناخية مما أنهى مرحلة الجنان المنتشرة و الثمار التي تخرج في كل أيام السنة و تستبدل الحياة على سطحها بالحيوانات المتوحشة و تضمحل معها المسطحات النباتية و تتحول فيما بعد إلى ثمار موسمية لا تخرج إلا في فترة قصيرة من السنة.
الإنسان الذي قضى الله أن يكدح في هذه الدنيا كدحا حتى يلاقيه، أضطر في تلك المرحلة لتغيير حياته و البحث عن الطعام بطريقة مختلفة في ظل الشح الشديد في الإنتاج النباتي. و بقدرته على الإبتكار و الإبداع بدأ الإنسان مرحلة ”العصر الحجري“ بإختراع الأسلحة البدائية من الأحجار و العظام التي إستخدمها لإصطياد الحيوانات و الطيور من أجل أكلها. لا أستطيع تخيل مرحلة التغيير تلك التي أضطرت الإنسان البدائي من التحول من كونه إنسانا نباتيا إلى إنسان آكل للحم النيء. و لكن يبدو أنها كانت مرحل…

مفهوم الحرية

عندما ولدنا، ولدنا أحرارا، لدينا قدرات كبيرة على الدخول في المخاطرات و إحساس كبير بعدم الخوف من الفشل. كان لدينا إستعداد عظيم لخوض التجارب الجديدة، كان الفضول يوقد فينا حب التعلم و محاولة تجربة أي شيء و العبث بكل شيء يحيط بنا. نلعب طوال اليوم و نستمتع بكل أوقاتنا كيفما إتفق، بأي طريقة للعب كانت و بأي أداة للهو توفرت لدينا في ذلك اليوم، في أي يوم. بالنسبة لنا الحياة كانت عبارة عن تجربة ليس لها بداية و ليس لها نهاية، الهدف منها هو اللهو و الإستمتاع.
و لكنها في الحقيقة لم تكن حياة لهو و لا محاولة للمتعة لأجل المتعة. بل كانت تجربة ساحرة.كانت حياة نتعلم فيها الأشياء الجديدة بالفضول الغير محدود. كنا نجد متعة لانهائية في الإستكشاف و محاولة أشياء جديدة و العبث بكل ما يقع تحت أيدينا. كانت حياة خالية من المسؤولية و بالتالي خالية من الهموم و من التخطيط و من التفكير بالغد. كان يمضي اليوم كله في اللعب حتى ننهك و نخلد بالنوم. كنا نخلد للنوم في نفس اللحظة التي نشعر فيها بأننا نريد النوم، هكذا و بدون أن نفكر قليلا قبل النوم، و بدون إستعراض لأحداث ذلك اليوم و بدون أن نجهد عقولنا بالتفكير في ما سنفعله غ…

الفساد الإداري و المشاركة الشعبية

إذا ما قام مسؤول بإستغلال السلطة و الإستفادة ماديا من منصبه بما يخالف القانون بالإختلاس أو شراء أشياء شخصية من المال العام، هل هذا هو ما يسمى بالفساد المالي؟
و إذا ما قام مسؤول بإستغلال سلطته بالقيام بالمخالفات الإداريه و إرساء العقود بشكل غير قانوني أو ممارسة المحسوبية و الواسطة بما يؤثر سلبيا على العدل في المعاملات و مما يتسبب في ضياع الحقوق، هل هذا هو ما يسمى بالفساد الإداري؟

الحقيقة، لا!

ليس هذان المثالان من أمور الفساد.

بل يصنف هذان الأمران من ضمن الجرائم. لأنهما مخالفتان قانونيتان. عندما كتبت العبارتين في الأعلى حرصت على ذكر مخالفة القانون. و بما أن هناك قانون معمول به و تتم مراقبته و يسري على الجميع فأي مخالفة له تعتبر جريمة و لا تعتبر فسادا. لا يمكن مهما أجتهدت الدول و الحكومات التي تطبق القانون من إزالة الجريمة تماما، و حتى في أنقى العهود الإسلامية في تاريخنا و أكثرها عدلا و تطبيقا للعدالة و للقانون، خذ مثلا عهد النبي صلى الله عليه و سلم، لم يحدث و أن نجحت الدولة أو المجتمع بإلغاء الجريمة و ضمان إستقامة الأفراد إستقامة كاملة.

ذلك أن وجود الإستثناءات حالة طبيعية. فلا داعي لمحاولة ا…

هل سمعت بهذه الخطة؟

هل سمعت بخطة ”تنظيم المدن و القرى“؟
هي خطة أقرها مجلس الشورى، و هي الجهة التي تتمتع بالسلطة التشريعية و تمثل الشعب أمام الحكومة. و الخطة تقوم أولا بوضع قوانين تنظيمية للمدن و القرى بما يتعلق بالخدمات الحكومية و الإجتماعية. هذه القوانين تحتم على الحكومة و شركات الإستثمار العقاري أن تضع خطط طويلة الأمد لمائة سنة قابلة للتطوير لآلاف السنين القادمة.
الدراسات التي تقدم تشمل عدد سكان المدينة و نسبة إزيادهم بنسبة المواليد و المهاجرين إليها و فئاتهم العمرية و جنسهم و مستويات التعليم. هذه الدراسات التفصيلية هي دراسات مستمرة يتم تصحيحها كل سنة و عليها تبنى التنبؤات للمستقبل، و بالتالي وضع الخطط المناسبة لبناء الطرق و الأنفاق و الجسور و الحدائق العامة و الشواطيء و المدراس بكل مراحلها و المستشفيات مع مراعاة عدد الأسرة في المستشفيات و التخصصات و عدد الأطباء و الجامعات و التخصصات المناسبة. كل هذا التخطيط يستند إلى كل هذه الدراسات الإجتماعية و الإقتصادية لكل مدينة و قرية.
من الآن نحن نعلم كم مسارا سيحتاجه كل طريق في أي يوم من السنة لمائة سنة قادمة، و كم كرسيا نحتاج في كل فصل دراسي للبنات و للفتيان…

إسلام الخرافة و إسلام المادة

معركة أحد، كانت صدمة قوية للمسلمين الأوائل. كان الإعتقاد بأن الله سوف ينصر عباده و نبيه. أليسوا هم المؤمنون، الذي آمنوا بالله و رسوله، و ضحوا بأموالهم و أنفسهم من أجل هذه الرسالة؟ إنهم النبي و أتباعه من خيار الناس من المهاجرين الذيت تركوا الدنيا من أجل الآخرة و تركوا أرضهم ليرثها أعدائهم لأرض غريبة يواجهون فيها المجهول، و أنصار آثروا على أنفسهم و لو كان بهم خصاصة.
و لكنها كانت هزيمة قاسية تكبدها المسلمون فخسروا ماديا و نفسيا و خرجت راية قريش الوثنية منتصرة على جيش نبي الله، جيش التوحيد و العدل. كم كانت مفاجئة كبيرة و قلبا لكل الموازين الإيمانية. هل هذه هي نهاية الوعود بأننا إن آمنا و أتبعنا النبي و ما جاء به من الحق سوف تتحق كل أحلامنا و آمالنا و أن نرث الأرض التي وعد الله المؤمنين؟
كانت الخرافة قد وجدت طريقها لعقول البعض منذ ذلك العهد. لم يكن هنالك وعي كاف لمعرفة أن الجميع سواسية أمام قوانين الكون و أن فكرة أن ينصرنا الله لمجرد إيماننا به هي فكرة غير صحيحة. خذ مؤمنا إن شئت و أرمه من الدور العاشر على أرض صلبه. سيحدث له ما سيحدث لوثني أو ملحد تقفذه أيضا من نفس المسافة. إنها قوانين ثاب…

خارج الصندوق

”التدوينة البيضاء“ هي صفحة فارغة أجدها في وجهي في كل مرة أريد أن أكتب. و هي نفس الصفحة التي يجدها كل كاتب في كل مرة يريد أن يبدأ الكتابة. ورقة فارغة و قلم بيده. ينظر إلى الورقة الفارغة و هي تنظر إليه. و كأنها تتحداه أن يضع ما بفكره على وجهها. أن يصنع شيئا من اللاشيء.
و كالقانون الأول للحركة في الفيزياء بأن الجسم الساكن يبقى ساكنا حتى تأتي قوة خارجية تضعه في حركة، كذلك الكتابة على وجه تلك الورقة البيضاء. يحتاج لبذل القوة الإبتدائية من الفكر أو ربما الهرطقة. إنها حالة من الخلق، خلق الحياة في فضاء تلك الصفحة الفارغ من الكلمات. تلك القدرة التي إكتسبناها من روح الله التي نفخها في آدم حين خلقة بكلمة منه. و خلقنا جميعا بكلمات منه.
نعم نحن كلمات الله في صفحة الكون البيضاء. بل إن خلق الله كله من حي و ميت هو كلمات الله التي قالها الله في فضاء من العدم قبل أن يكون هناك وجود.
و ما أن تبدأ الكلمات الأولى بالظهور حتى تنساب بقية الكلمات على وجه الصفحة البيضاء معلنة بدأ الحياة في ذلك الكون الصغير الذي حدوده الورقة.
نحن نتوقع أننا كالصندوق. هنالك ما هو بداخل الصندوق و هنالك ماهو بخارج الصندوق. و لكنني أتخ…

التدوينة البيضاء

نظرية الميول

لا أؤمن أبدا بنظرية المؤامرة. فكرة أن هناك من يقوم بالتخطيط المستمر و المفصل لكل الأحداث. إنها فكرة متطرفة لمن يعجز عن تقييم فشله و تخلفه و عدم قدرته على تغيير نفسه و التأثير في الظروف المحيطة به لكي يصلح الأخطاء و يجدد حياته للأفضل.

و لكنني لا ألغي فكرة أن هناك من يقوم بالإفساد و بالمكر. كما تلاحظ أن المفهومين هما من مفاهيم القرآن: الإفساد و المكر. المكر هو محاولة إستغلال الظروف للحصول على نتائج بطريقة غير مباشرة. العمل في ظاهره يوحي بشيء و لكن المقصود شيء آخر. هو تذاكي على القوانين الكونية، و كما أن قوانين السببية أو ”السبب و الأثر“ يقول أن لكل أثر سبب و كل سبب يترك أثرا، فأن الماكر يستطيع التذاكي على الكون بخلق أسباب و عوامل عدة أو لنسمها ”باقة من الأسباب“ المبرمجة لكي تحقق بعض الآثار. و لكن الكون مترابط و العوامل و الأسباب تعمل بطريقة غاية في التعقيد و الإتقان مما يجعل من المستحيل برمجتها.

لذلك فإن الله هو خير الماكرين، و هذا الحقيقة هي تماما ما يقرنها الله دائما عندما يذكر المكر في القرآن. الله هو المهيمن على قوانين الكون بكل قدرته و علمه. و مهما حاولنا برمجة الكون بما أوتينا من قد…

الله غير موجود

قضية وجود الله هي أكثر القضايا التي يتجادل فيها الملحدون و المؤمنون. و هو السؤال الذي كنت أبحث الإجابة عنه دائما. و الحقيقة التي لم أشك بها أبدا هي أن الله هو الذي خلق السماوات و الأرض و الموت و الحياة. و لكنني و في نفس الوقت كنت أبحث عن إجابة لهذا السؤال. هل الله موجود؟
أستطيع أن أهرب من هذا السؤال. أستطيع أن أبرر هروبي بالإيمان الأعمى، و بعدم الدخول في مسائل فكرية قد يقودني بها عقلي للضياع. و لكنني كنت دائما أؤمن بعقلي، و بأنه إن كان هنالك خالق لعقلي، فقد صمم ذلك الخالق العقل و برمجه لكي أصل للحق. لكي أصل إليه. ليس من المنطقي أن يخلق الله لي عقلا ثم يأمرني بتركه أو تنحيته جانبا و إستبداله بالإيمان المطلق لإدعاءات و موروثات. إن عقلي هو الطريق المباشر لمعرفة الله.
إن جسدي ما هو إلا مجموعة من المواد الأولية التي وجدت في الكون منذ خلق الله السماوات و الأرض. و بما أن الكون نظام مغلق لا يمكن للمواد الخروج منه أو الدخول إليه فإننا جميعا نتكون من مواد كانت في الكون منذ بدايته. مواد ربما خلقت منها كواكب قبلنا ثم نباتات ثم حيوانات و ربما بشر، كلهم ماتوا و تحللت أجسادهم و إختلطت بالأرض ليتغذى…