الخميس، يونيو 19، 2008

الإيجابية و السلبية، التفكير و الفعل

في كل مرة أحاول أن أنظر لحال البلد، الشعب، التنمية و المستقبل بتفائل و إيجابية أتوقف بسرعة عن التفائل. ليس تشائما و سلبية، بل هو إدراك لحقيقة الواقع و معطياته. و على الرغم من إيماني الكبير بإمكانية التغيير للأفضل و بوجود بعض الخطوات الإيجابية التي تم فعلا إتخاذها لإصلاح الوضع و لكن يجب القول بأن هناك مساحة كبيرة للتفكير بسلبية.

و هنا أريد أن أطرح توضيحا مهما بخصوص التفكير بإيجابية و التفكير بسلبية. فهناك الكثير من الإنتقاد للمدونين و للكتاب الذين يطروحون القضايا الإجتماعية بشيء من السلبية و الكثير من التذمر من هذا الأسلوب. و كذلك مطالبة بالتوقف عن هذا الأسلوب في الطرح و الإكتفاء بالتركيز على القضايا الإيجابية و إهمال السلبيات.

يجب أولا التفريق بين "التفكير" و "الفعل". فهناك التفكير الإيجابي و هناك التفكير السلبي. و هناك الفعل الإيجابي و هناك الفعل السلبي. و الذي نريده، هو الوصول دائما للفعل الإيجابي و الإبتعاد عن الفعل السلبي. أما التفكير فله قصة أخرى.

الفعل الإيجابي هو إتخاذ الوسائل الصحيحة المقبولة البناءة. أما الفعل السلبي فهو اللجوء لوسائل غير مقبولة إما بالعنف أو بإلغاء الآخر أو بردة فعل عاطفية قد تهدم و تزيد الأمور تعقيدا.

أما التفكير بنوعيه: "الإيجابي و السلبي" فمطلوب دائما لأننا نريد أن ننظر للواقع بصدق و شفافية حتى نستطيع من التحليل الصحيح و الإستنتاج الصحيح إلا إن كنا نريد خداع أنفسنا و تصوير الواقع في أفكارنا بشكل مغاير عنه في الحقيقة. إلغاء التفكير السلبي يعني أن تصحو الصباح فتقول لنفسك أنه لا توجد لديك مشاكل و لا تحديات و ليس عليك ديون و لا مسؤوليات و أن كل الأمور تسير على ما يرام، حتى و لو كانت عليك ديون و لديك مشاكل فأنت تحاول أنت تصبح إيجابيا بتحويل كل التفكير السلبي إلى تفكير إيجابي. و لكن التفكير الإيجابي في كل الوقت لا يحل المشاكل. فالتفكير بأنه ليس لديك مشاكل، لا يحل المشاكل. و التفكير بأنه ليس لديك ديون لا يسدد الديون. بل إن التفكير الإيجابي هنا في غير موضعه يسبب نوعا من التخدير في محاولة للإلتفاف على الواقع و عدم مواجهته. إنشاء تصور بعيد عن الصورة التي يفترض أن نقف أمامها و أن نجد لها حلا.

الذي يصنع الفرق في النهاية هو الفعل. و إن كان التفكير هو بداية الطريق. الفعل الإيجابي هو المطلوب. و الفعل الإيجابي هو نتيجة للتفكير الإيجابي عندما يجب أن نفكر بإيجابية و هو كذلك نتيجة للتفكير السلبي عندما يتفرض أن نفكر بسلبية. ليس المهم كيف نفكر مادمنا نتخذ خطوات إيجابية في الأخير.

دعونا نفكر بإيجابية و بسلبية و لكن لنخرج في الآخر بحلول و بأفكار لأفعال إيجابية. نعم هناك إيجابيات: لدينا الكثير من القدرات الإقتصادية و بموروثات حضارية نستطيع تطويعها لبناء وطن عظيم. هناك سلبيات: فساد كبير في القيادة و في الإدارة و لكن هناك حلول إيجابية نستطيع أن نتخذها للتقليل منها. هناك إيجابيات: شعب عظيم يمتلك الكثير من القيم و العلم و الثقافة و التنوع الفكري و الإجتماعي. هناك سلبيات: عادات سلبية و عنصريات و تفرقة بين أبناء الشعب و لكن هناك حلول نستطيع من خلالها إستغلال التنوع الفكري للقضاء على التفرقة. هناك إيجابيات: دين و عقيدة تشجع على العدل و التقدم. و هناك سلبيات: تشدد في الدين و إلغاء للحوار مع بقية أطياف المجتمع.

هناك الكثير من الإيجابيات و كثير من السلبيات و لكن هنالك حلول. المسألة لا تحتاج لمعجزات و لا لنوع من السحر لحلها. هناك حلول علمية لأية مشكلة. المهم أن لا نلغي التفكير السلبي. و المهم أيضا أن نعتمد دائما على الحلول الإيجابية و نبذ الأفعال السلبية. و الأكثر أهمية هو أن تكون لدينا الرغبة لمواجهة الواقع بشجاعة و الإعتراف بالسلبيات و الرغبة في حلها.

هناك 8 تعليقات:

  1. فعلاً.

    التفكير السلبيّ و السوداويّ, قد يدفع إلى الأفعال الإيجابية.

    المميز في التفكير المتشائم, أنهُ في الغالب يشكل صدمه لدى المتلقيّ. و يكون لديه دافع.

    و بطبيعة الحال, مثل كل شئ في الدنيا.
    يجب فيه الأعتدال.


    تحياتي أستاذ عبدالله.

    ردحذف
  2. عزيزي القدير عبدالله

    أود أن أشكرك في البدايه على طرحك ومحاولتك الجادة في القراة المجرده المنصفه

    عزيزي، المشكله ليست في الطرح الساخر والأنتقاد للأفعال السلبيه بدون إنخراط الحلول في جعبة القول، بأكثر من مشكلة العيش فوق قصور الرمال الذهبية، وجعل التفكير نحو الطريقه السلبيه بسلبيه من وجهة نظر الآخرين, وساخره من وجهة نظري، بأنها غير مجديه
    وسبب وجهة نظري كونها ساخره رائعه وجزءً من الحل، من كل داء دواء
    وهذا إيضآ إضافة على قول عزيزي مروان في ميز التفكير المتشائم

    فالسخرية إيضآ قد تشكل صدمه أكثر كونها قريبه من العراك اليومي للفرد ويكون لديه الدافع للتفكير سبب السخريه هذه

    والتفكير الإيجابي لاتطمس هويته أخيرآ

    شكرآ عبدالله

    ردحذف
  3. مروان:

    أتفق معك. و لكن الإعتدال شيء ننساه دائما.

    لا أدري فربما التطرف أسهل من الإعتدال.

    هل يمكن أن نربط خيطا صغيرا بأحد أصابعنا لكي نتذكر الإعتدال دائما؟

    شكرا لك.

    ردحذف
  4. ثمر أو ثمار (أعتذر عن عجزي ترجمة الإسم):

    صحيح. أنا أقترح أن نجعل الحلول الإيجابية جزء من أطروحاتنا.

    كما قلت أنت: اطرح السلبي أو السخار قد يكون إيجابي و قد يؤدي لنتائج إيجابية بل قد تكون طريقة رائعة و كما قيل في الأثر شر البلية ما يضحك.

    أيضا عامل الصدمة في الطرح السلبي قد يكون له أثر إيجابي كما ذكرت في تعليقك.

    شكرا لك على إضافاتك.

    ردحذف
  5. أفهم الايجابية بأنها رؤية فرص في كل تحدي يواجهنا أذا هي فكر وفعل لا يمكن الفصل بينهم.
    أذا كان على دين هذه فرصة لأزيد من أنتاجي وأسدد الدين وبعدها أبدا في الادخار.
    أذا طردت من العمل هذه فرصة لاكتشاف مهارات جديدة لدي أو تطوير مهارتي القديمة وهكذا.
    وكما فهمت فأنك تتوقع أنه قد يكون هناك رابط بين الفكر السلبي والفعل الايجابي أن كان كذالك أختلف معك في هذه النقطة لأن التفكير السلبي يعني تخطيط سلبي قد يؤدي إلى نتائج ايجابيه ولكنها مؤقتة أي وهمية مثال: لو أعتقد مدير أن منصبه مهدد من قبل أحد معاونيه هذا تفكير سلبي بالتي سيخطط للحفاظ على منصبه بالاجتهاد وتطوير نفسه ومهارات هذا فعل ايجابي لكن بالتأكيد المردود سلبي مع الوقت هو أن الإبداع سينحصر في هذه المنظمة على المدير وسيشعر المعاون بأن جهوده تضيع هباء من ما قد يؤدى لتقليل طاقته الإبداعية أو خسارته كفرد مبدع بالمنظمة والقياس على هذا المثال مفتوح.
    فالايجابية تكون بخلق نوع من التنافس مع هذا المعاون ولكن بشكل لا يهدد سلطة المدير ويقوم المدير بتطوير مهاراته ولكن دون تهميش المعاون أي أن المعاون يبدع تحت ظل المدير وبالتالي يكون المردود جيد على المنظمة.
    أما من ناحية الطرح السلبي لست ضده هي نوع من الفضفضة والبوح قد يكون الشخص قادر على نقد المجتمع ولكن ليس لدية القدر على طرح الحلول هنا يأتي التكامل لو كنا نعي بشكل صحيح ونتكامل شخص ينقد وشخص يجد الحل وأخر ينفذ وهكذا ولكن يبدو الأمر ضرب من خيال في مجتمع تأخذه العزة بالإثم.

    تحياتي لك وعذراً على الإطالة

    ردحذف
  6. عزيزتي أمل...

    كلامك صحيح و لا أختلف معك. أنا تركت للقاريء مهمة التفريق بين ما أسميه "التفكير السلبي الإيجابي" و "التفكير السلبي السلبي".

    هناك تفكير سلبي تشاؤمي كأن نرى الحياة بسوداوية و أن ننظر للأمر من الزاوية السيئة كأن يعتقد المدير بأنه مهدد من قبل أحد موظفيه بدل أن يفكر أنه في مكان يزداد فيه التنافس. هذا النوع من التفكير غير بناء.

    التفكير بأنني مهدد هو تفكير سلبي سلبي بينما التفكير بأننا تحت ضغوط تنافسية هو تفكير سلبي إيجابي و هو المطلوب. لأن الشخص يستطيع أن يقنع نفسه بطريقة خاطئة من باب الإيجابية بأنه هو الأفضل و أن المستقبل مشرق و لكنه يقوم بخداع نفسه و هنا تكمن أهمية التفكير السلبي.

    الكثير من الطرح الموجود يركز على أهمية التفكير الإيجابي لدرجة كبيرة بحيث نفشل أحيانا في القراءة الصحيحة للواقع. قرأت مثلا بأنه يجب أن نفكر عندما نفشل بأنها "تجربة" و ليست "فشلا". هذه تفكير إيجابي و لكنه تفكير مخدر لا يؤدي لفعل إيجابي.

    أنا أفضل أن أنظر بأنني فشلت و من ثم أقوم بعمل إيجابي و هو دراسة أسباب الفشل و العمل على الإستفادة منها و تفاديها. هنا فعلا أستطيع أن أحول فشلي إلى تجربة.

    هدفي هو إلقاء الضوء على هذا النوع من التفكير الذي نهمله دائما و لكنه قادر فعلا على أن يقودنا لأفعال و نتائج إيجابية.

    شكرا على مداخلتك القيمة و شكرا على الإطالة.

    دمت بخير

    ردحذف
  7. أستاذ عبدالله... سرني الاطلاع
    على مدونتكم ورغم خلوها من
    البهرجة الشكلية إلا انها
    تجذب القارئ بتميز الفكر
    و بتميز الفكر وحده


    استاذ عبدالله ابداع المفاهيم
    و نقدها ليس بالأمر الهين فهو
    يحتاج لقدر من المعرفة و الممارسة
    و القدرة التعبيرية

    ما كنا نعرفه أو ما اعرفه انا
    على الأقل هو التفكير الايجابي او
    التفكير السلبي , ولعلكم في بدايت
    الموضوع كنتم قد اقتصرتم عليها
    ولكن بالحوار المثمر توصلتم لإبداع
    مفاهيم جديدة تفصل في انواع
    التفكير

    نتيجة لتفاعل مع الحواركم توصلت
    لمزيد من التفصيل حول هذه النقطة

    سلبي سلبي :
    وهو اشغال الذهن بالأمور السلبية
    بشكل سلبي , و الخروج بأفكار لأعمال
    سلبية

    ايجابي ايجابي :
    هو اشغال الذهن بالنظر لكل
    الأمور من الزاوية الايجابية
    بشكل مغرق يصل لتوهم الايجابيات
    و الخروج بمجرد تجاوز ألم الواقع
    مع احلام وردية غير واقعية
    للمستقبل

    النوعين السابقين كلها تقع
    ضمن أنواع التفكير الخاطأة
    و تبقى نوعين

    سلبي ايجابي :
    وهو النوع الذي يدقق بالسلبيات
    بشكل ايجابي فهو يكتشفها ثم يعمل
    على بحث اسبابها و العلاج لها
    لا يلزم صاحب المقالة أن يقوم
    بالكشف عن السلبيات و البحث عن
    اسبابها و الحلول , بل يمكنه الأقتصار
    على كشف السلبيات بعتبار أن
    المقالة تطرح لمن يمكنهم أن يقوموا
    بالبحث عن الأسباب و الحلول
    على أن يحرص صاحب المقالة أن
    يتناول السلبيات بشكل يفتح
    المجال فيما بعد لبحث الأسباب
    و الحلول

    ايجابي واقعي :
    اسلوب هذا التفكير هو التدقيق
    بالإيجابيات بشكل ايجابي فهو يكتشفها
    ثم يعمل على حفظها و استثمارها .

    هذين النوعين يقعان ضمن التفكير
    الصائب و الفعال , نوعي التفكير
    الخاطئ أكثر شيوعاً من نوعي
    التفيكر الصائب , و لعل على
    اصحاب التفكير الخاطئ علاج نمط
    تفكيرهم من خلال :
    اما الإنتقال لضفة المقابلة فصاحب التفكير السلبي السلبي يعود ذاته على
    استخدام التفكير الايجابي الواقعي
    و صاحب التفكير الايجابي الايجابي
    ينتقل ليعود ذاته على استخدام التفكير السلبي الايجابي , و اما من خلال الضفة الأقرب الايجابي الايجابي إلى الايجابي الواقعي و السلبي السلبي إلى السلبي الايجابي , اختيار احد الامرين يعتمد على درجة الاستغراق في نمط التفكير الخاطئ , فإن كان عالي فلا بد من صدمة مؤقتة فينتقل لضفة المقابلة و إلا ينتقل لضفة الأقرب

    الواقع أن السلبي الإيجابي اكثر انتشاراً من الإيجابي الواقعي
    نظراً لقربة و ربما اختلاطه في
    كثير من الاحيان بنمط التفكير
    الخاطئ , لذا نحن بحاجة لتكثيف
    طرح وممارسة التفكير الايجابي
    الواقعي مع الحرص دوماً على
    وجود التفكير السلبي الايجابي


    استاذ عبدالله استميحك بأن انشر
    هذا التفصيل في مدونتي

    أعتذر على الإطالة.. شكراً جزلاً
    لك و للمشاركين الكرام

    ردحذف
  8. أخي محمد:

    أشكرك كثيرا على التفصيل المهم الذي كان في غاية الوضوح.

    بالطبع يمكنك إعاة طرح ما تراه مناسبا في مدونتك فنحن هنا لتبادل الأفكار و لكي نكمل بعضنا بعضا. و سوف أقرأ ما تكتبه بالطبع.

    تحياتي لك.

    ردحذف

يمكنك التعليق على هذه المقالة