الأربعاء، أغسطس 14، 2013

دائرة العلم ودائرة الجهل

من باب أن الشكية هي أساس المعرفة وأن المتيقن جاهل، قد يكون رأيي خطأ ورأيك صواب وقد يكون العكس أن رأيي صواب ورأيك أنت هو الخطأ، علما أن الآراء صحيحة بنسب مختلفة فلا توجد آراء صحيحة تماما وآراء خاطئة تماما. وحتى نصل للنتيجة النهائية ونكتشف أي الآراء هو الأصح وما هي نسب الصحة والخطأ لكل وجة نظر، نحتاج أن نعيش حالة تسامح ونحن نسير في الطريق نحو الفهم النهائي. الفهم النهائي هو اليقين، أما المعرفة فهي الطريق. وهي طريق طويل ورحلة ممتدة منذ بداية وجود الإنسان ولن تنتهي حتى آخر إنسان يستطيع أن يفكر. 
 
المشكلة أن هذا الفهم المتسامح لطبيعة المعرفة الذي تحمله بين جوانحك وتطمأن له نفسك وما يجعلك تحترم كل الأفهام الأخرى، لا يشاركك فيه كل رفاقك في الطريق. فمعك من رفاق الطريق من ولد كأي إنسان آخر، جاهل لا يعلم شيئا، ولكنه نشأ وكبر في مكان إستقى من بيئته اليقين من أول يوم. بالنسبة له، المعرفة ليست لها أهمية، فهو يمتلك اليقين مسبقا. هو أصلا لا يعي أنه في رحلة ولا يعترف بالطريق. أجداده وصلوا المحطة النهائية منذ زمن بعيد وهو مقتنع أن سلسلة التفكير قد توقفت منذ زمن بعيد. ومنذ قرون إنتهت الحاجة للعقل، ولم يعد له دور يقوم به بعد أن توصل أجدادنا لكل الحقائق. الحقيقة أن الحاجة للدماغ الموجود بالرأس أصبحت غير مهمة ولا تقارن بالحاجة لبقية الأعضاء الأخرى كالمعدة والكبد. يقتصر دور العقل فقط عند غير المحظوظين أمثاله. ذلك أن العقل مهم عندهم لكي يدلهم ويهديهم للوصول لما ولد هو فيه هو وأجداده بدون جهد عقلي. وعنما يصل أولئك لفهمه هو، عندئذ عليهم أن ينهوا عملية التفكير عندهم عند تلك اللحظة. نقطة اللاعودة.
 
بدأنا بالشكية، وقلنا أنها هي السبب في جعلك تحترم آراء الأخرين. أيضا إدراك أن المعرفة نسبية. هذا الوعي بأنك قد لا تكون على الحق تماما، وقد لا يكون مخالفك على الخطأ تماما، يجعلك في حالة تسامح دائمة وإستعداد ضمني للسلام مع الآخر والمهم أيضا هي تضعك في إستعداد أن تزداد معرفيا. وربما الأهم، هذه الحالة تعطيك الفرصة الحقيقية أن تكون مؤمنا. لأن الإيمان هو عملية تحدي الشك. أو كما قيل: "أن الإيمان ليس اليقين بدون شك، ولكن الإيمان هو التصديق رغم الشك".
 
أما المتيقن فلا يستطيع أن يؤمن، فليس لديه حاجز الشك ليرتقي عليه بالإيمان. المتيقن أيضا يختلف جوهريا في كل ما ذكرت من التعامل مع المعرفة ومع بقية الآراء. هو لا يشك، فالشك بالنسبة له مروق وزندقة، مهلكة مخرجة من الملة. الشك في الحقيقة هو نهاية اليقين بالنسبة له وبالتالي تنقض كل أسس عقيدته وتنهي كل سبب لوجوده. وبالتالي لا وجود لفلسفة إحترام الآخرين عنده. كيف يحترم آراء الآخرين وهي خطأ أصلا وليس هناك أي أمل أن تكون صحيحة؟ لا يوجد لدى رفاق الطريق هؤلاء أي وعي أو إستعداد نفسي للإحترام أو التسامح أو تقبل الآخرين منذ البداية. عدم الإحترام وعدم التسامح عند هؤلاء لا ينبع من حالة غضب مؤقتة أو من ظرف خاص يمر عليهم، بل هو نابع من أعماق قناعاتهم, ثابت لا يتغير. في حالات خاصة، كالإحساس بالضعف، أو كتكتيك مؤقت، سيقدم هؤلاء على التسامح والإستماع إليك والتعايش معك. لكنهم نفسيا، يعتبرون ذك منة منهم عليك وإحسانا إضافيا قدموه لك. هذا شعور نفسي طبيعي في داخلهم لكي ينسجم تسامحهم مع يقينهم بإستحالة خطأهم. وفي الغالب أنه قرار مؤقت لا يطول كثيرا، قبل أن يتغير الحال بسرعة في أقرب فرصة. هذه ليست حالة في دين واحد بعينه، بل هي حالة إنسانية عامة.
 
إذن كيف تتعامل مع رفاق الطريق هؤلاء؟ هل تتعامل معه من نفس مبادئك وقيمك المعرفية الشكية؟ إحترام موقفهم وقناعاتهم وآرئهم؟ واضح أن هؤلاء حالة خاصة من بين كل الذين تختلف معهم. فبعكس البقية، يقع هؤلاء خارج دائرة المعرفة. هل من الحكمة ان تتعامل معرفيا في حوار طرفه يقيني بحت بينما أنت تقف في الطرف النسبي؟ بينما أنت تعرض أفكارك وتعطي غيرك الفرصة بكل تسامح أن ينتقدها ويعدل فيها، يعرض الطرف الآخر أفكاره أنه يقينيه نهائية غير قابلة للنقاش؟ بل كيف تتعايش في هذه الرحلة الطويلة مع هذه العقلية المتربصة الإقصائية التي تنظر للمختلف أنه الضحية القادمة الذي يجب القضاء عليه لأنه يحمل أفكارا تختلف عن اليقين الحق الذي عندي وهو لا يرضى أن يحمل نفس أفكاري بل ويشكك فيها؟
 
المبدأ لا يتغير أن إحترام مبدأ حرية الفكر والرأي قناعات ثابتة. ليست هذه هي المشكلة لدى الطرف المعرفي. المسألة هي أنه لو جاءك من يقول: ما دام موقفكم هو الشك في كل شيء، فلماذا لا يسمح شككم أن هؤلاء المتيقنين على حق؟ الجواب مع الأسف يقيني، وهو: طبعا لا. لا يسمح أن يكون هناك إحتمال أن أي إنسان يحمل يقينا هو على حق. لأن اليقين مستحيل في حق الإنسان. الإنسان لا يستطيع أن يصل لليقين. هذا من أساسيات المنهج المعرفي. بل من أساسيات الطبيعة الإنسانية والكونية. إذن الطلب غير معقول. كيف أفترض أن المعرفة نسبية، ثم من هذا المبدأ تطلب مني أن أفترض أنها يقينية؟ كأنك تقول: من مبدأ نسبية المعرفة، هل يمكن أن نفترض أن المعرفة يقينية؟

الأحد، يناير 08، 2012

الإنسان و الأفكار

نحن لعبة بيد الأفكار.

نبدأ صغارا لا نصلح لأن نحملها. لكننا نبدأ بمواهب الصغار، نتعلم بسرعة و نجرب بدون خوف و نلاحظ بدقة و نقلد و نبدع. من الصدفة أننا نعيش في مجتمعات مختلفة، كل واحد منا يعيش مع نصيبه من الأفكار الغريبة. و عملية التعلم عملية ميكانيكية في الصغر، تتم بغير مشيئة الإنسان، و من المستحيل أن يبلغ الطفل السابعة دون أن يكون قد تشبع بأفكار والديه و من حوله من الناس، فهو يتحدث لغتهم و يعتقد بمعتقدهم، و رغم أن لكل شخص شخصيته المميزة و لو قليلا، إلا أنه نسخة أخرى من الأفراد الذين هم حوله. هو مزيج من تجارب الآخرين الذين عايشهم و تفاعلوا معه.

و كذلك، فإن الإنسان يبقى بعيدا عن الأفكار التي لم ينشأ بها، معزولا عنها، لكن تلك الأفكار البعيدة ستجد لها أناس آخرين تنشأ و تعيش معهم. أو لنقل، تعيش بهم. و هكذا تتكون تجمعات مختلفة للأفكار المختلفة، كما أن تجمعات البشر مختلفة أيضا. و تصبح الأفكار أيضا شعوبا و قبائل و دولاً و أحزاباً و مجتمعات كثيرة.

نحن لسنا أكثر من وعاء لحمل تلك الأفكار، بينما الأفكار هي الموجود الحقيقي في الكون. نحن نعيش سنوات قليلة فقط قبل أن نموت لتأتي أجيال جديدة تحمل نفس الأفكار. الأفكار هي التي تعيش للأبد. أما نحن فإننا لسنا سوى أداة بيد الأفكار، ننشأ، نأكل و نشرب حتى تصبح عقولنا قادرة على التفكير، ثم نصبح ذلك الوعاء الصالح لحمل الأفكار و تطويرها و إعادة صياغتها و توليدها ثم بعد ذلك تمريرها للجيل التالي.

لو تفكرنا في ذلك، لوجدنا أننا نأكل و نشرب و نتنفس، ونقوم بكل العمليات البيولوجية من أجل هدف واحد، هو أن يعيش الدماغ و يقوم بعمله. أما بقية الأجهزة الأخرى فهي أجهزة مساعدة، القلب لكي يضخ الدم، و الدم هو الوسيلة الأنسب لنقل الطعام و الهواء للدماغ لكي يستمر في مهمته الأساسية و هي حفظ الأفكار، تطويرها و نقلها. أي أنه مهمته الأساسية هو أن يكون حاضنة أفكار. أما عمل أي جهاز آخر فليس أكثر من القيام بمهام الدعم غير المباشر للرسالة الأساسية للجسد. فاليدان و القدمان مهمتهما نقل هذا الدماغ من مكان إلى مكان، لكي يبحث عن المزيد من الطعام حتى تستمر العملية.

و الأمر الأكثر إثارة، هو ما أتى به العلم بعد إكتشاف الجينات. المخلوقات كلها بما فيها الإنسان، بكل أجهزتها المعقدة لا تعدو كونها أتت من شفرات، مرسومة في الجينات الوراثية. و المخلوق بكل تعقيداته ليس أكثر من خلية واحدة نشأت بحسب هذه المعلومات المكتوبة في الجينات ثم تكاثرت بحسب التعليمات نفسها، ثم تطور الجسد و نما بحسب هذا البرنامج المكتوب. أي أن المخلوق نفسه ليس أكثر من مجرد فكرة هو الآخر. نحن كنا أفكارا مشفرة، جاءنا الوقت المناسب و الظروف المناسبة لنحصل على فرصتنا في الوجود، بينما لم يسعف الحظ أكثر الأفكار الأخرى.

و بما أن الإنسان هو مزيج وراثي من أبيه و أمه، و بالتالي من أجداده ثم من أجداده الأولين و هكذا، فإن فرصة وجوده و ظروف تكون هذا المزيج الفريد من الأفكار التي كونته تعتمد إعتمادا كليا على ما حدث في الماضي. فهناك الحروب التي تقضي على الناس، و هناك من ينجو فيجد الفرصة ليورث أبناء و بنات و هناك الأوبئة و الظروف الجيدة التي سمحت للعديد بترك أبناء و ظروف سيئة لم تسمح. لذلك كل إنسان هو سجل تاريخي للماضي القديم، محفور في شفرته الجينية. لا أدري إن كان العلم سيتقدم بحيث نستطيع أن نقرأ التاريخ من خلال صفحات أنفسنا.

في مرحلة من المراحل، يجب أن يموت الإنسان لكي تستمر الأفكار، ربما هي تلك المرحلة التي يصبح فيها الدماغ غير قادر على حضانة المزيد من الأفكار الجديدة و توليدها. أو ربما عندما يزداد فيها الإنسان حكمة و معرفة بأسرار الكون، و يبدأ بمعرفة العلاقة العجيبة بين مملكة الإنسان و مملكة الأفكار، عندها يجب أن يموت. منّا من يغرق في فكرته، فيموت من أجل الأفكار التي يؤمن بها. و معظم الناس يموت عندما يصبح دوره في نقل الأفكار غير مهم. فقد تجاوزه الزمن، و جاءت أجيال جديدة تستطيع أن تقوم بهذه المهمة عوضا عنه، بفعالية أكبر.

الأفكار أبديه، تمر عبر العصور، تستهلك ملايين العقول و تفنيها، و هي لا تفنى. تتقاتل الأفكار فيما بينها في ملاحم أسطورية. ميدان قتالها الإنسان. و كما أن الأرض هي مسرح العرض الإنساني، فإن مسرح عرض الأفكار هو الإنسان. نحن نعيش في وهم أننا نحن سيد الكون. و لكن الحقيقة أن الأفكار هي سيدة الكون. كانت موجودة قبل خلق الإنسان، و ستظل باقية بعده. و في معارك الأفكار، لا يكون الصراع غالبا بين الأفكار نفسها، بل أن الإنسان هو الذي يدخل الصراع بدلا من الأفكار. و في العصر الحديث، تبدل هذا بعض الشيء خاصة في المجتمعات العلمية، فأصبح الوعي بضرورة أن يكون الصراع الفكري مجاله الأفكار. يأتي من يحمل الأفكار، و تنتصر الأفكار التي تستطيع أن تقنع أكبر قدر من العقول.

و لا يمكن أن ننسى دور الإنسان العظيم في حياة الأفكار و تطورها. فالإنسان آلة التفكير الأفضل في الكون بدون منازع. قد يختار معظم الناس عدم التفكير، و يلتهون بهذه الأدوات التي وجدت لخدمة العقل أصلا كالقلب و اللسلان و الأيد و الأقدام و الجهاز الهضمي و الجهاز التناسلي و التنفسي. و قد لا يهتمون كثيرا بالمهمة الأساسية التي خلقوا من أجلها و هي أن يفكروا و يبدعوا، و لكن هذا لا يهم لأن هناك أيضا عددا لا يستهان به من الناس الذي يفكرون و يبدعون. من ذلك اليوم الذي نظر فيه الإنسان القديم للجبل فسماه جبلا، و للوادي فسماه واديا. بأي لغة كانت، حتى و لو لم ينطق بها. قدرته على التمييز بينهما، و إطلاق إسم مميز لكي شيء هو أساس كل الأفكار. التسمية هي أقوى أنواع الأفكار، لأننا نستطيع أن نسمي أشياء غير موجودة أصلا ثم نوجدها. التسمية هي عملية حصر مميزات و وظائف كثيرة في كلمة واحدة أو عدة كلمات في جملة قصيرة.

لا أشك أبدا أن الله قد أشار لذلك في القرآن عندما بشر الملائكة بأنه جاعل في الأرض خليفة. فكان رد الملائكة بسؤال الله: أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء. ثم أشارت الملائكة لنقطة مهمة: و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك؟ بالطبع الملائكة يعتقدون أن عبادة الله هي فقط بالتسبيح و بالتقديس، و هي شيء لا يستطيع أحد أن يغلب الملائكة فيه. فهم يسبحون و يسجدون لله آناء الليل و أطراف النهار. و لا تمر لحظة من لحظات الزمان إلا و فيها الملائكة ساجدون مسبحين بعظمة الله و بحمده. و لكن الله سيجعل الخليفة في الأرض لعبادة من نوع آخر، لذلك فإن الرد الإلاهي على ملاحظة الملائكة: إني أعلم ما لا تعلمون. ثم ذكر أن الله علم آدم الأسماء كلها، كل تلك الأفكار التي سيحتاجها في حياته، و أهم من ذلك كله، هو عندما بيّن الله للملائكة الفرق بين آدم و بينهم، عندما سألهم أن ينبؤوه بأسماء هؤلاء، فلم يستطيعوا. و لكن آدم إستطاع.

ربما يكون التفكير، هو أعظم عبادات الله، و ربما نكون فقط مستعبدين من هذه الأفكار تسيرنا كما تشاء. تتحكم بنا، تتقاتل من خلالنا، تخدرنا و تعيشنا في وهم كبير حتى إذا جاء اليوم الذي لا تحتاجنا فيه تركتنا نواجه مصيرنا لوحدنا، بينما هي تمر في عصر آخر في رحلتها الأبدية.

الأحد، ديسمبر 04، 2011

عن نظرية التطور (١)

الحديث عن نظرية التطور، من الأحاديث الأكثر جدلا في الغرب منذ عهد النهضة العلمية في أوروبا. و على الرغم من أن جميع النظريات العلمية في تلك الفترة وحتى اليوم كانت دائما ما تسبب رفض كثير من رجال الدين بالذات ومن المتحمسين، هو خلاف يشتد أحيانا حتى يصل لحد الإتهام بالكفر والهرطقة و القتل أيضا.

في الغالب، كان العلماء يتبعون أسلوبا نافعا، ولكنه يحتاج لزمن طويل: وهو العمل بصمت، وبعد فترة من الزمن سوف تتحول هذه النظريات العلمية لحقائق يستحيل إنكارها. حدث هذا في نظرية دوران الأرض. كانت الفكرة القديمة هي أن الأرض هي مركز الكون، تدور حولها الشمس. كان الإنسان القديم ينظر في السماء فيرى الشمس تظهر من المشرق، وكأنها تخرج من خلف الأرض ثم ترتفع بإتجاه السماء حتى تتوسطها. ثم تبدأ بالنزول بإتجاه الغرب حتى تختفي خلف أفق المغرب من الأرض. لا شك أن الإنسان القديم كان موقنا بما لا يدع مجالا للشك بأن الشمس هي التي تدور. وأن الأرض ثابتة، كانت هذه هي أقدم خدعة بصرية تعرض لها الإنسان منذ نشأته على هذا الكوكب.

مع الوقت تحول منظر السماء الخلاب في الليل والنجوم تحيط بالكوكب و بالشمس والقمر تدور حول الأرض لفكرة بدأت ثم نمت و إشتدت حتى أصبحت عقيدة متوارثة وهي أن: الأرض هي مركز الكون، و أن الكون كله يسير من أجل الأرض، ويدور حولها، خلق من أجلها. وأصبحت عقيدة مقدسة، على الرغم من أن الله لم ينزل بها من سلطان.

لذلك من غير المستغرب محاربة ورفض النظرية الجديدة التي طرحها كوبرنيكوس بأن الأرض ليست مركز الكون وأنها ليست حتى مركزا لنظامها الصغير الذي نعيش فيه. فهي مجرد ثالث كوكب يدور حول نجم صغير نسميه الشمس. و مجموعتنا الشمسية ليست إلا مجموعة صغيرة جدا مقارنة بأنظمة أضخم وأبعد بملايين المرات. وأن مجموعتنا الصغيرة جزء من مجرة عملاقة، لكنها بالنسبة لمجرات الكون الأخرى تعد صغيرة جدا.

هذا الإستنتاج يتعارض مع الخطاب الديني في العصور الوسطى الذي يقوم على تصوير علاقة خاصة بين الخالق و الإنسان، وأنه مخلوقه المحبوب والخاص، وأنه خلقه على صورته الإلاهية، و بأن كل الكون له. سخره لها يصنع به ما يشاء. فالأرض هي مركز الكون و الإنسان هو مركز الأرض. فكل شيء يدور حول الإنسان. لا غرابة إذن من المعارضة الشديدة من رجال الدين لرجال العلم و حملاتهم الإجرامية ضدهم. فالعلم بإكتشافاته يقلل من قيمة الخطاب الديني وينتزع منه القدسية. ويظهر للناس قيمة العلم و يكشف زيف الخرافات الموروثة.

وعلى العكس من ذلك، فقد أثبتت الإكتشافات و النظريات العلمية، أن الإيمان لم ينحسر و لم ينتهي، بل إزداد وأخذ شكلا أكثر عمقا وقربا من الله، وأكثر عقلانية مقارنة بطريقة الإيمان الخرافية التي روج لها رجال الدين. فعاد الناس للنص يؤولونه بطريقة جديدة بعيدا عن التأويل القديم. والأهم من ذلك أن العلم نزع عباءة المعرفة المزيفة عنهم وجعل الإنسان العادي في مواجهة مباشرة مع الكون والطبيعة بدون وساطة رجال الدين. أصبح بإمكانه الآن التفكر مباشرة والتواصل مع خالق الكون بدون أصنام.

قال رجال الدين أن مشكلة العلم أنه يحرر الإنسان من الله، فيصبح ملحدا غير مؤمن. ولكنني أعتقد أن الذي قام به العلم هو أنه حرر الله من الإنسان. فقد كانت الفكرة القديمة عن “الله” لا تخلو من النظرة الوثنية التي تصوره الله سبحانه عما يصفون بصور تتشابه مع خلقه. و الذي قام به العلم أنه أزال هذه الصورة ورفع من فكرة خالق الكون بأن فتح الفضاء على مصراعيه بكون فسيح لا ينتهي، ووضع الله في مكانه الصحيح بالنسبة للإنسان: “ليس كمثله شئ”.

وهذا الصراع بين العلم والخرافة لا ينتهي. ومستمر. ولكنه يضر بالدين أكثر مما يضر بالعلم. فالناس لا تصدق الذي يتحدث بدون حجة ولا برهان، و هي تصدق الذي يأتي بالبراهين العقلية والدلائل التي تؤكد نظرياته وما يطرح من أفكار. و علماء الدين لا يبحثون في الكون ولا يتفكرون فيه و لا يقومون بالتجارب والأبحاث العلمية المستمرة لكي يثبتوا للعالم ما ذهبوا إليه من تأويل للنصوص المقدسة. ولكنهم بدلا من ذلك يطالبون من الناس تصديقهم في ما ورثوه بدون أي برهان، ومن لا يتبع فهو متبدع، وقد يضطرون لمحاربة المخالفين وإستخدام وسائل مختلفة للتنكيل بهم وملاحقتهم. إنتهى هذا الآن مع الديموقراطية في الغرب، ولو عادت السلطة لرجال الدين، لعادوا أشنع على الناس وعلى حرية الفكر من قبل.

عند نزول النص القرآني، ذكر تصريحا بحركة الشمس و بأنها تجري لمستقر لها، وبأن الأرض سطحت، مما عزز الفكرة المسبقة بأن الأرض مسطحة والشمس تدور حولها. القرآن لم يقل ذلك مباشرة، ولكن هذا هو التأويل الذي عم بين المفسرين و الفقهاء في ذلك الوقت. لا مشكلة في ذلك، فالإنسان يفسر النصوص بمعرفته التي هو عليها وقت التأويل، والله هو وحده الذي يعلم تأويله. و لكنه كما نعلم ليس بالتأويل الصحيح، كما أثبت العلم الحديث.

و لكن المشكلة هي عندما تم إكتشاف كروية الأرض ودورانها حول نفسها وحول الشمس، ودحض أن الشمس هي التي تدور حول الأرض. عندها تعصب البعض للتأويل القديم، مع أن التأويل ليست له أي قداسة، إنما القداسة للنص. أما التأويل فهو متغير. والسبب بسيط: النص هو تنزيل إلاهي، بينما التأويل هو منتج إنساني، إجتهاد بشري، يصيب ويخطئ. وهذه مشكلة كبيرة عند رجال الدين، فهم يضيعون أحيانا الخط الفاصل بينهم وبين الله، فيفتتن بعضهم بما وصل إليه من حفظ و معرفة بالتراث فيعتقد أنه ألم ببعض العلم الإلاهي.

لم يستطع المسلمون أن يفصلوا بين الفهم والنص، و فرضوا فهمهم بأنه هو نفس ما أراد الله قوله، وهي عادة لا تزال موجودة على عدة أصعدة مثل الحقوق، و هذه: محاولة دخول عقل الله لفهم ما أراد قوله، أو الإدعاء بالقدرة على الإحاطة بالمقاصد الإلاهية. تهمة خطيرة ولكنها تبدو عادية عند البعض. لم يستطع أحد أن ينكر في نهاية الأمر أن النص لا يتعارض مع فكرة دوران الارض ولا بكرويتها، إنه مجرد تعارض مع الفهم. لذلك لا تستغرب التراجع في المواقف من العلم بعد فترة من الزمن. نحن في أزمة بين الإدعاء بمعرفة المقصد الإلاهي وبين ما يفرضه الواقع. هذا لكي لا يقفز أحد بفهم موروث له قوته التي يستمدها من تقليديته فقط و ليس لأنه حق، و يدعي أنه فهم ما أراد الله قوله تماما.

و عند الحديث، عن نظرية التطور يجب التفريق بين ثلاث نظريات مختلفة: نظرية التطور، و نظرية الإنتخاب الطبيعي التي جاء بها داروين، و نظرية تطور الإنسان.

فكرة نظرية التطور: هي أن التطور هو القانون الذي خلق الله به المخلوقات والكون بأسرة. كانت الفكرة السابقة للخلق انه خلق فجائي لحظي، يتم في لحظتها بتصميم جاهز. نستطيع أن نقول أن هناك تصوران لفكرة الخلق: الخلق الآني في نفس اللحظة بمكونات كاملة، و خلق يتم عبر مراحل تختلف كل مرحلة عن الأخرى بشكل تتطور فيه كل مرحلة عن المرحلة السابقة.

مثال مبسط: من أين أتت اللهجات العربية المختلفة: الخليجية، الحجازية، المصرية و المغربية مثلا؟ بالتأكيد لدينا إيمان بأن الله خلقها فهو خالق كل شيء. و لكن كيف خلقها؟ هل تطورت من منشأ واحد؟ من اللغة العربية؟ أم أنها ظهرت فجأة؟ نستطيع دراسة هذا الأمر علميا؟

نحن نعلم أن الله خلقها، و في نفس الوقت لم تحدث في نفس اللحظة. إن الله إذا أراد شيئا فإنما أمره أن يقول له كن فيكون، و لكن لا نعلم كم أراد الله من الوقت للشيء أن يكون؟ هناك خرافة بأن الأمر يتم في نفس اللحظة، و لكن هذا مجرد تأويل و هو تأويل ينافي قوانين الطبيعة والحكمة الإلاهية في أن بين "كن" و "يكون" أزمانا قد تمتد لملايين السنين، أو كما تقتضيه الحكمة الإلاهية.

وكما نعلم أن الله هو خالق التنوع اللغوي عند البشر، نعلم في نفس الوقت أن التنوع هذا حدث عبر القرون في تطور مستمر، ومتدرج بحيث لا يشعر به جيل واحد. هو يحدث ببطء، تدخل بعض الكلمات، و يقل إستخدام أخرى تتزاوج اللهجات و اللغات، و بعد فترة طويلة تظهر لغات ولهجات مختلفة لا تستطيع التفاهم بينها وكأنها خلق جديد.

نظرية التطور في الخلق، تعطي للخلق فكرة أنيقة وأكثر حكمة، من نظرية الخلق الفجائي. وهي بالتالي أكثر إحتراما وتقديرا لله. فقد وجدت البعض من يؤمن بصورة مشوهة عن حكمة الله و علمه، و لشرح ذلك. يجب أولا أن نقارن بين طريقتين للتصميم الهندسي.

الطريقة الأولى تسمى التصميم من الأعلى للأسفل، كتصميم المباني. في البداية نضع الرؤية المناسبة للمبنى، كم عدد الأشخاص الذين سيسكنون فيه، في كل دور، عدد المكاتب إن كان به أقسام تجارية، هذا التصميم من أعلى الهرم يأخذنا للأسفل فنفكر بعد ذلك بالمساحات المناسبة، أحجام الغرف، تصميم المداخل و المخارج، ثم ننزل إلى إحتياجات المواد و الحديد. كل ذلك على الورق قبل أن نبدأ بالعمل. ثم نبدأ بشراء المواد و مقاولة شركة لبدأ العمل، ثم الإشراف حتى نهاية المشروع.

و عندما نريد تصميم مدينة، فمن المستحيل أن نعتمد على طريقة التصميم من الأعلى للأسفل. إلا إن أردنا إخراج كل أهل المدينة منها ثم إعادة تصميمها من جديد، كل المباني، كل الطرق، كل الحدائق. و هذه عملية مكلفة لا تستطيع دول العالم مجتمعة على القيام بها، فضلا أنها غير عملية، وفي نهاية المطاف سيفشل المشروع، ولن يرغب أحد بأن يسكن هذه المدينة. لأن الأمر ليس مجرد مدينة، هناك علاقات إجتماعية إنسانية، ومؤسسات إقتصادية لا تنشأ بين يوم و ليلة.

و عندها لا يكون لنا خيار أفضل من طريقة التصميم من الأسفل للأعلى. هو الأسلوب الهندسي الوحيد القادر على أخذنا من لا شيء إلا صنع المدينة التي نحلم بها، بدون تكاليف إضافية، و بطريقة طبيعية متوافقة مع قوانين الكون. كل مدن العالم تطورت ولم تخلق هكذا كما نراها أمام أعيننا. و هي خلق بديع ومتقن يفي بكافة إحتياجات السكان ولا يسبب إضطرابا إقتصاديا ولا إجتماعي يذكر، و لو كان الإنسان أكثر علما بنظرية التطور لإستطاع توجيه هذا التصميم لنتائج أفضل أيضا.

ولكن لو نظرت للأمر من ناحية أخرى، لتغيرت النظرة. تخيل أن أي مدينة قام على تصميمها رجل أو شركة متخصصة. لو قيل لك: أن مدينة نيويورك مثلا قام بتصميمها شركة بطريقة التصميم من الأعلى للأسفل. دراسة التربة، و المناخ و الجغرافيا ثم وضعت كل شيء في مكانه على الورق ثم بدأت العمل، ثم أنجزت مدينة نيويورك، ثم سكنها الناس. بعيدا عن هذا الإفتراض الغير واقعي الذي يقول أن مدينة نيويورك ظهرت فجأة ولم تتطور، أريد أن أسأل سؤالا آخر: ما رأيك في هذا التصميم؟

عن نفسي سوف أنتقد هذه الشركة بشدة، فمدينة نيويورك بها الكثير من العيوب. أو على الأقل، ما دمنا سوف نصممها من الصفر، فإنه كان بالإمكان أن نفعل أحسن من هذا. و لكننا نعلم أن تصميم نيويورك هو الأفضل، لأننا نعلم أنها تطورت بهذا الشكل تبعا لإحتياجات الناس عبر العصور، و بحسب الظروف الإجتماعية و الإقتصادية للإنسان هناك. وكذلك كل مدينة، هي إنعكاس حقيقي لمراحل تطور الفكر الإنساني الحضاري.

كذكل الخلق. فلو إفترضنا أن الخلق حدث عن طريق التطور الذي إستمر بلايين السنين، لوجدنا أن كل مخلوق ميسر لما خلق له، ولشعرنا بجمال الكون في تنوعه و ألوانه المختلفة. لأن التصميم من الأسفل للأعلى، يبدأ من لا شيء إلى كل شيء، فإننا لا نشعر بحرج أو إضطراب في فهم الكون، وكيف خلق الله كل شيء من لا شيء. فإذا أرت أن تبني مدينة فأبدأ ببيت واحد، ثم مزرعة و بئر، ثم أغنام ورعي، سأتيك من يعمل في المزرعة و سيحتاج لمنزل هو الآخر، و هكذا تنمو القرية، ثم تتحول لمدينة مع الوقت. نظام طبيعي، متوافق مع سنن الكون.

لو إفترضنا الأمر الآخر، بأن تأويلنا أن طريقة خلق الله للمخلوقات هي الخلق الفجائي، فسنخرج بإنطباع مختلف. تخيل أن الله سبحانه عما يصفون، خلق أحد مخلوقاته من لا شيء بدون تطور. هذا يعني أنه تصميم من الأعلى للأسفل: أولا هناك صورة لهذه المخلوق عند الله أرادها بشكل محدد، ثم خلقها. و هنا يستحيل أن يكون في الخلق نقص أو خلل. و لو كان في المصنوع خلل، فهو يدل على نقص في الصانع. ولذلك كل التصميمات الإنسانية كالمباني و السيارات التي تصمم من الأعلى للأسفل لا تخلو من العيوب.

نحن نعلم أن المخلوقات كلها بها عيوب، و لو أنه خرجت من المصنع لقلنا أن بها عيوب مصنعية. فالذين يقولون بنظرية الخلق الفجائي المصنعي، يقولون بشكل غير مباشر بفكرة أن المصمم لم يقم بما يجب ليخرج المنتج بالشكل المطلوب. ولكننا نعلم أن كل الخلق تطور، لذلك فالعيوب التي نراها ليست عيوب بالشكل الذي نجد فيها العيوب في السيارات والمباني، بل هي نتيجة طبيعية لتفاعلنا مع الكون و تفاعل الكون معنا. ليست عيوبا بل إختلافات.

نحن تعودنا في حياتنا اليومية للاقتناع بالأمور التي تتكرر في إطار زمني ضيق، نصدقها بدون صعوبة، ولكن ان تحتاج العملية لملايين السنين؟ هنا تكمن الصعوبة في الحديث عن تطور الخلق و يحتاج الامر لخيال. و لكن الأمر الآن أسهل بسبب توفر الأحافير التي تعود لملايين السنين، و كذلك بإمكانية ملاحظة التطور في البكتيريا والحشرات الصغيرة التي تستغرق وقت أقل في التفاعل مع المتغيرات.

عند الحديث عن التطور، يأتي التطور البيولوجي هو الأهم و الأكثر إثارة للحديث. مم تطور؟ هل خلق فجاءة. يجب ان أوضح أن دراسة التطور هي دراسة تاريخية، نعود للوراء لمحاولة فهم ما نحن عليه الآن. وهي ناجحة بشكل كبير في تفسير الأحداث و الوصول لحقائق مدهشة.

لنأخذ مثال للعلاقة القوية بين التاريخ و التطور: تاريخ جهاز الكمبيوتر. نعلم مراحل تطور خلق الكمبيوتر، بدأ بأفكار حسابية بسيطة، تسلسل خوارزمي يمكن تكراره ليحل نفس المسألة بفعالية و بدون أخطاء لأنه مجرب مرارا، ثم ظهور الحاجة الاقتصادية لمثل هذه الفكرة في العصر الصناعي مما أدى للاستثمار في تطوير تلك الأفكار ثم جاء جيل أراد صنع جهاز ميكانيكي يقوم بها، تم صناعة أول جهز ميكانيكي من التقنية المتوفرة آن ذلك، ثم نجح إقتصاديا فتم الإتساع بالإستثمار، ومرحلة المنطق الثنائي ثم السيليكون و الرقائق.

ومع تطور الهاردوير تطورت افكار البرامج وتطورت الصناعة التي أصبح بإمكانه الاستفادة من الكمبيوتر في زيادة الإنتاج و فعالية وجودة منتجاته، وفي نفس الوقت وبدون أن يشعر إنسان بذلك، تطورت المجتمعات و طباعة الكتب و ثقافة الشعوب والطيران و الاتصال، حصل ذلك ببطء عبر السنين. لو جاء مخلوق من كوكب آخر بدغمائيته و ادعى ان كل هذا لم يتطور وأن كل شيء خلق في مكانه في النظام العام لأنه هكذا مناسب، ما موقعه من العقل؟

عملية: كيف نقرأ الكتب وكيف نشتريها من أمازون وعلى الآيباد هي عملية متوازنة مع النظام الكلي، وهي ليست عملية طارئة على النظام، هي نشأت وإن كانت خفية في أعماق النظام من بدايته وإستمرت في التطور حتى أخذت شكلها النهائي كما نراه اليوم، الحقيقة أنه ليس شكلها النهائي، فالتطور مستمر، بدون أن نشعر بحركته البطيئة. كما كل الأنظمة الطبيعية في الكون، تتطور و تتبدل.

التطور ليس فقط قانون كوني كأحد القوانين الأخرى، بل هو القانون الذي يحكم خلق الكون في كل لحظة من البداية حتى النهاية. وهو الذي يحدد معنى الغاية في الكون. فلو كان الخلق منذ البداية كما هو، فسوف تنتفي الغاية من الكون و يصبح كونا متشابها في مراحله لا يذهب في إي إتجاه، فتنتفي الغاية.

المتأمل يصل لأن فكرة التطور تدافع عن قدسية الإله و تنزهه بطريقة لا يفعلها متشددي الدين من الذين يصرون على نفي النظرية. بل إنها تقدم نموذجاً حكيماً للخلق يختلف عن النموذج المزاجي للخلق والذي يقضي بأن الإله سبحانه يقرر فجأة ما يريد خلقه فيقول له كن فيكون في نفس اللحظة بدون أسباب و لا مقدمات و بدون أن تكون تلك عملية حكيمة مقدرة. و بدون أن يكون هناك تفاعل طبيعي مع الكون يلتزم بسنن محددة لا تتبدل ولا تتحول. بالطبع هؤلاء يعتقدون أن الله سبحانه كملوك الأرض و كسلاطينهم الذي يقولون كلمة مزاجية واحدة فيقضى الأمر، حتى ولو كان حكمه يلخبط و يربك أنظمة القضاء و الدولة.

الخميس، نوفمبر 17، 2011

سبعة مليارات


نهاية أكتوبر، في اليوم الأخير منه، أحتفلت الأمم المتحدة بيوم خاص بمناسبة بلوغ عدد سكان اللأرض السبعة مليارات نسمة. قد يكون عدد سكان العالم قد بلغ ذلك الرقم قبل التاريخ المحدد بيوم أو بيومين، أو بعده بيوم أو بيومين. و لكنني الآن بعد أكثر من عشرة أيام من ذلك التاريخ متأكد أنني أعيش بين سبعة مليارات نسمة، فلم يحدث تسونامي أو زلزال أو حدث جلل يقلل من عدد السكان فجأة في الأيام العشرة الماضية.



كانت المليارات الستة قد بلغها العالم قبل نهاية القرن السابق بعدة أشهر. و في بداية العقد القادم، سيكون إن شاء الله موعد المليار الثامن و هو موعد تنتظره معظم الدول المتقدمة بخطط إستراتيجية لأعوام ٢٠٢٠، ٢٠٢١ و ٢٠٢٢ لأهمية عدد السكان العالمي و المحلي في التخطيط و التنمية.



لو عدنا للتاريخ الذي بلغ فيه عدد سكان الأرض المليار الأول، لأصبحنا تقريبا في نهاية القرن الثامن عشر و بداية القرن التاسع عشر. و هي الفترة التي دخل فيها العالم الإسلامي و العربي خاصة مرحلة الإستعمار الغربي. هي المرحلة التي تلت إمبراطوريات عربية إسلامية تمتعت بسلطة مطلقة كانت الشعوب فيها مغيبة عن المشاركة السياسية، بحجة أن الحاكم الظالم المتسلط خير للأمة فهو يحميها من الأعداء و يجمع كلمتها في مواجهة الإمبراطوريات المتاخمة. منطقيا، يبدو أنها فلسفة جيدة و حجة لها أساس عقلي، على الرغم من نقضها أهم الأسس القرآنية التي تقول بأن النصر و العزة هي في الإيمان و التقيد بالقرآن و السنة لا بغيرهما.



لكنها أثبتت فيما بعد أنها خرافة إزدهرت في وقت لم يكن هنالك قوة حقيقية بعد تهدد المسلمين بعد سقوطها مملكتي الفرس و الروم في أثناء الخلافة الراشدة. لكن لم تكتشف الأمة كذبها إلا عندما تكونت هذه القوة في أوروبا بعد أن نفضت عنها غبار الديكتاتوريات و التدين الكنسي المتحالف مع السلطة. فأصبحت بالحرية و بالديموقراطية قوة قادرة على إكتساح العالم عسكريا و إستثماره إقتصاديا وإضطهاد سكانه الأصليين.



مع الأسف لم تنتبه الأمة أن إستقرار أمنها، و السبيل لإزدهارها هو الحرية و قوة الفرد و المشاركة السياسية، و هي نفس مكونات القوة الإسلامية الأولى. و ليس الديكتاتورية و الحكم العائلي أو القبلي. و لو كانت الطريقة الهرقلية في إدارة الدولة الإسلامية نافعة، لنفعت هرقل الروم و كسرى الفرس من قبل. لذلك واجهت الممالك الإسلامية الديكتاتورية نفس المصير.



لكي يبلغ عدد سكان العالم المليار الثاني، إنتظرنا حتى بداية الربع الثاني من القرن العشرين. ربما في العام ١٩٢٧. و هي المرحلة التي بدأ العالم الإسلامي و العربي بالتخلص من الإستعمار، و قيام دويلات عربية قامت على ثقافة ما قبل الإستعمار. كأنها غيبت عن الكون فترة طويلة ثم صحت بنفس أفكار الماضي. و قامت ببناء دول بحكومات متسلطة تستعمر شعوبها و تقيم فيها الإقطاعيات و الممتلكات العائلية. بينما كان العالم الغربي ينحى منحى آخر أكثر إنسانية، يزدهر صناعيا و فكريا، و يبدأ مرحلة جديدة في تاريخه بتأسيس حقوق الإنسان و قوانين المحافظة على البيئة و على حقوق الحيوان، و بالتركيز على المحافظة على الثقافة الإنسانية. كان الغرب المتوحش، العنصري، الجشع، الذي أشعل الحروب في كل مكان قد وصل أخيرا و بعد حربين عالميتين لحقيقة فقدانه للبعد الإنساني، فبدأ مرحلة جديدة يبني على تفوقه العلمي و التقني تفوق جديد أخلاقي و إنساني. بالتأكيد الغرب عانى و لا زال يعاني من خلل فكري و أخلاقي كبير في جوانبه و لكنه يمتاز بأنه ديناميكي يتعلم و يصلح نفسه ليكمل المسيرة.



عندما سقط الإتحاد السوفييتي و إنتهت الحرب الباردة في نهاية الثمانينيات كان العالم قد أكمل ملياره الخامس. و هي مرحلة رأت وزارة الدفاع أن الأقمار الصناعية و البنية العظيمة لوسائل الإتصالات التي أستثمرتها تحسبا لحرب النجوم لم يعد لها حاجة بل أنها تكلفة زائدة كل يوم، بعد سقوط العدو المتسهدف بها. فكانت فكرة أن تستثمر تجاريا. ففتحت بذالك أبواب النعيم، و كذلك أبواب الجحيم لحرية الإعلام الذي يبث من الفضاء، و لأول مرة بدون إذن الحكومات و لا تحت مراقبتها اليومية، و للأنترنت التي أعطت سلطة غير مسبوقة للفرد و لقدرته على التأثير في العالم بشكل مباشر. هذا التحول جوهري لأنه وضع الإنسان في مركز الإقتصاد. فبدلا من المعادلة القديمة التي تعتقد الشركات و الحكومات أنها هي التي تعلم المنتج و السياسة الأفضل للفرد و كل ما على الفرد هو الشراء و السمع و الطاعة بدأت بالتغير. فالفرد هو الذي يحدد ما يحتاجه و ما يريده، و الشيء الذي لا يصلح له يتركه، أما النافع له فهو يشتريه و يحبه.



ليست مصادفة في هذا العام ٢٠١١ الذي يبلغ فيه العالم ملياره السابع، أن تنتفض الشعوب و أن تتغير موازين القوى لصالح الأفراد. إنها تنتفض على قوى قامت أيام المليار الثاني، و التي تقوم على أفكار تسلطية تعود بنا لأفكار البشر حين لم يبلغوا وقتها بضعة ملايين. ربما من قرون عديدة. أفكار لم تعد تنتمي للفكر البشري الآن. و هذه مجرد البداية فقط، فالذي يرى كيف يتبادل الناس الأفكار في الإعلام المجتمعي عبر مواقع التواصل المختلفة يدرك سرعة تطور الأفكار و إستحالة التحكم بها. يكفيك أن تقارن بين الأجهزة الإلكترونية قبل عدة سنوات و الأجهزة الجديدة و كأنك تقارن بين منتجين بينهما عشرات السنين: أحدهما غير صالح للإستعمال و الآخر يخشى بعد أشهر قليلة أن يرمى من أجل تقنية جديدة. أو أن تشاهد فيديو تم تصويره في اليوتيوب قبل سنوات قليلة، فتعتقد بما ترى من إختلاف الملابس و الهيئة و جودة التصوير أن هذا الفيديو قد تم تصويره قبل عشرات السنين.



الأفكار بالطبع هي التي تغير في العالم. و التغيير يأتي على شكلين: أما أن تكون أنت التغيير نفسه أو أن تقاوم و تتهرب فترة من الزمن ثم يكتسحك التغيير بعد أن يحاصرك من كل مكان.



لا أعلم كيف سيكون عالمنا عند بلوغ المليار الثامن، و لكنه سيكون عالم مختلف بشكل كبير. ستتغير فيه الكثير من الأمور الجديدة.لكنني أعلم أن محاولة عزل منطقة من هذا العالم المترابط عن بقية المعمورة والتحكم بها لأطول فترة ممكنة بدون إشراكها في القرار و التفكير محاولة عبثية تتعارض من معطيات الواقع و كيفية التعامل الصحيح معه. و ستنتهي بالأوطان في المستقبل لأن تكون مجتمعات متخلفة، فقيرة، و هو المستقبل الذي ينتظر كثيرا من الدول العربية و الأفريقية إن لم تؤسس لمجتمعات تنعم بالحرية و الديموقراطية و بالأمن الحقيقي القائم على الثقة بالفرد و إعطاءه البيئة الحرة للأبداع و الإبتكار، و حمايته فكريا من الإضطهاد و من سرقة أفكاره و من التعرض له بأي شكل من الأشكال فقط لأنه يفكر. بل و حمايته لكي يفكر بحرية. هذا هو الإتجاه الجديد الذي ينتهجه العالم المتقدم لكي ينطلق نحو الإقتصاد المعرفي الذي لا يقوم على كون الإنسان هو وسيلة الإنتاج و لكنه ينظر أخيرا بأن الإنسان هو منبع الإنتاج.

الخميس، مارس 10، 2011

الفتح الإنساني العظيم

الفُتوحات السّماوية هي تلك اللحظات من الزّمان التي يُنبأ فيها رجال من الأرض بخبر السّماء. فَيَبعثُون بتلك الأفكار الجديدة أمماً من الموت و يُخرجُون الناس من الظلمات إلى النور. يَختصِرون قُرونا من الزّمان في سِجل الحضارة الإنسانية. فيجدد اللهم بهم الحياة و يصلح الأرض بعد فسادها.

و لو لم يبعث الله نبيا يقوم بثورة في قريته الظالم أهلها، فإننا لا نستطيع تَخيُّل تاريخ الأمة العربية سِوى مَجموعةٍ من القبائل المتفرقة التي تَعيش تحت وَطأة الجاهلية و تَحكُّم الإمبراطوريات المجاورة لها لقرون عديدة. بل أننا لا نستطيع أن نتخيل تاريخ الإنسانية بأجمعه بدون الأنبياء كما نراه اليوم سوى تجمعات وثنية في أصقاع القارات المتفرقة تعاني الفقر و المرض و التخلف و تَحكُّم الشامانيين بعقولهم و الإقطاعيين بحياتهم.

ما معنى إختصار الزّمان؟

إن الزّمانَ يَسير في خَطٍ مُستقيم. لا يُبالي بشيء و لا بأحد. لا يتوقف. لا يقفز قُدما، و لا يعود للوراء. و في الكون ساعات عملاقة تقيسُ الّزمان. نُجوم و كواكب و مجرات تدور حول نفسها وحول بَعضِها بدقَةٍ و إنتظام. كُلُّ واحدة مِنها ساعة تشير للحظة من الزّمان. و عندما تأتي اللحظة التالية، فإن تلك الأجرام السماوية العملاقة تنتقل للمكان التالي لها في الفضاء. لا يَسْتقدِمون ساعةً و لا يستأخِرون.

لا مفر لأحد من أن يخرج من هذا خط الزمان المحكم. أو أن يفلت من لحظة إلى لحظة لم تَحِن ساعتُها بعد. و لكن العقل يستطيع أن يكسر هذه القاعدة. ذلك الإستثناء الكوني الذي يمتلكه الإنسان قادر على أن يقفز فوق السنين. بأن يختصر المسافات الزمنية الطبيعية و أن يخرج بإنجازات تدفع الحضارة الإنسانية قرونا للأمام. هو إختصار للزمان قد لا يحس به الكون العملاق لأنه يحدث على ظهر كوكب متناه في الصغر كحبة رمل في صحراء الكون الكبير. و لكنه إختصار عظيم إذا ما قسنا بالتناسب مع مقاييس الزمان البشرية.

لا يستطيع النَّخيل على ظهر هذا الكوكب سِوى الإنصياع للطبيعة و هزِّ أغصانه مع الريح. و لا تستطيع الأُسُود الأفريقية و لا الحِيتان و لا الأنعام و الدواب إلا أن تسير في ركب الإنقياد لحركة الكون و قوانينه الصارمة. تأكل و تتكاثر ثم تنتهي دون أن تغير شيئاً في وجه الكون. وحده الإنسان العاقل هو القادر على تسخير بقية الكون لمصالحه و أهواءه إن أراد. بيده أن يصلح أو أن يفسد في الكون.

كانت الإنسانية في القرن الثامن عشر على موعد مع التغيير. كانت أوروبا وقتها ترزح لقُرونٍ عديدة تحت حكم الملكيات المطلقة التي تحكم بقداسة إلاهية أضفتها عليها كنيسة تسيطر على عقول الناس بالترغيب و الترهيب و بالنصوص المبتورة و التأويلات في وحي الله و في موروث الأنبياء. فالحاكم كما كانت تصوره الكنيسة هو أمر الله و إرادته في الأرض. يعتبر الخروج عليه فتنة تحلل دماء من قام بها من أبناء الشعب. فلا يجوز لأبناء الوطن الذين ضاقت بهم الأرض بما رحبت سوى السكوت و الصبر و الرضا، فالإصلاح التغيير ليسَا من صَلاحيات الأُمم الـمُستضْعفة بل صلاحيات مطلقة للملوك و القساوسة الذي هم أعلم أهل الأرض و هم وكلاء الله في معرفة الحق و الباطل و في إعطاء الأحكام النهائية و التي كانت كلها تصب في مصلحة الملوك و دائما ما إبتعدت عن هموم الناس و حقوق الشعوب. أما موقع الناس من تقرير مصيرهم و المشاركة في القرار فقد كان أمرا مُحرما بعيد المنال، فهم ليسوا أكثر من مجموعة من التوابع التي لا دور لها في الحياة. لذلك فقد إستحال التغيير على الرجل العادي الذي كان يواجه التعذيب و الموت في الدنيا ثم العذاب و الثبور في الآخرة و الخلود في جهنم لمعارضته أمر الله.

أما الدولة الإسلامية، متمثلة في الدولة العثمانية في ذلك الوقت، فكانت قد كانت هي الأخرى نظاماً ملكياً ورثت العباسيين و الأمويين الذين إستنسخوا الهرقلية و فرضوها بالقوة و الدماء و قتلوا في سبيلها الكثير من المسلمين بعد أن أسقط العرب الخلافة الإسلامية بسيوفهم و أوقفوا سنة النبي و الخلفاء الراشدين من بعده بالعنف و بسياسة فرض الأمر الواقع.

دخل "الجبر" و "الإرجاء" في الجانب السياسي من عقيدة المسلمين كما دخل في الأمم من قبلهم. و المسلمون أمة كبقية الأمم يسيرون بنفس سنن الكون، فلا غرابة بأنهم سيتبعون سنن من كان قبلهم حذو القدة بالقدة حتى في السياسة. فأستبدلوا سُنَّة "أعف عنهم و إستغفر لهم و شاورهم في الأمر" لسنة معاقبة الناس و التضييق عليهم و مطاردة المخالفين و قتلهم و حرمان الناس من حقهم بالمشاركة في إتخاذ القرار و الإستئثار بمقدرات الشعوب و الإستنان بسنة كسرى بحكم الملوك و الأُسر الحاكمة. و تحول العلماء المسلمين من ورثة للأنبياء إلى سدنة لعروش الظالمين. و حولوا الحاكم الظالم من صورته الحقيقية كمنتهك لحقوق الأمة الإسلامية إلى صورة جديدة بأنه هو ولي الأمر، خليفة الله في أرضه و ظل الله على العالمين. و أصبح الحاكم مقدسا لا يجوز لأحد أن يخرج عليه، و لا حتى الإعتراض على شرعيته و لا على حكمه. و إن خرج عليه أحد، وجب على المسلمين أن يدافعوا عن ولي أمرهم و أن يقاتلوا و يقتلوا الخارج على ولي الأمر. و لكن الخارج على ولي الأمر، لو تمكن و نجحت حركته في إسقاط ولي أمر المسلمين، فإنه يصبح أتوماتيكيا ولي الأمر الجديد لأنه تغلب بحسب الفقه الجديد للمسلمين.

كانت تلك هي نهاية آخر الفتوحات الإلاهية. عندما تغيرت سنة النبي الخاتم. عندما تحول الدين لإن تطالب بحقوق الحاكم بدون تذكيره بواجباته و بأن تُطالَبَ الشعوب بواجباتها بدون أن تذكر لها حُقوقها. كانت آخر فرصة للإنسانية لكي تنعم بالحلم القديم. و ما أفكار أفلاطون و الفلاسفة الإغريق إلا حلقة من ضمن أحلام البشرية في تحقيق هذا الواقع الذي بدا للناس بأنه سراب لا يتحقق أبدا. فالظالم ما أن يتسلط حتى يبدأ بجمع كل القوى من حوله و يحول حكمه إلى أمر سماوي ديني لا يرضى الله بغيره. و لأنه يعلم أن الناس لن تصدق هذا الكذب فإنه لا يكتفي برجال الدين بل و يحيط نفسه بجلاوزة من الحرس و أنظمة أمن ليحفظوا حياته و يبقوا على سيطرته و جبروته. و السيناريو مكرر فهو بعد ذلك يتسلط على كل الوسائل الإعلامية من الشعراء الذين تذهب الركبان بالأشعار تمدحهم حتى بقية وسائل الإعلام من العصر القديم و حتى وسائل العصر الحديث.

تلك فرصة أضاعتها الأمة العربية لتقديم الحل السياسي لبقية الأمم. حل أتى بفتح سماوي، و هدية من الله لم يبذل فيها العرب في تاريخهم الجاهلي من الجهد ما يؤهلهم لتحقيقه بدون فتح سماوي. ما كان عليهم سوى العمل بنصيحة نبيهم الأخيرة "عُضُّوا عليها بالنواجذ". ماهي التي كان يجب أن نَعُضَّ عليها بالنواجذ؟ إنها كما قال النبي صلى الله عليه و سلم: "سنتي و سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي"؟ و لماذا لم يقل النبي سنتي و سنة أصحابي من بعدي؟ لماذا حصرها في الجانب السياسي فقط؟ لقد كان هناك عظماء الصحابة من السابقين الأولين من المهاجرين و الأنصار، من أصحاب بدر و من الذين بايعوا النبي تحت الشجرة فرضي الله عنهم. ما هو الشيء المهم في هذه السنة السياسية التي قال النبي صلى الله عليه و سلم في حديث آخر "أول من يبدل سنتي رجل من بني أمية"؟ نحن نقرأ التاريخ و نعلم حجم الخسارة التي تكبدتها الإنسانية من تبديل سنة النبي و خلفاءه الأربعة في حكم الشورى و التراضي بينهم و البيعة لذوي الكفاءة و من تختارهم الأمة بإرادتها بدون فرض بالقوة و لا توارث بين أفراد الأسرة.

و لكن الوقت بعد كل هذه المعاناة الإنسانية و في القرن السابع عشر قاد حان ليبدأ عصر الفتوحات الإنسانية. قبل ذلك كانت الفتوحات الإلاهية. تلك اللحظات من الزّمان التي يُنبأ فيها رجالٍ من الأرض بِخبر السّماء. أما الفُتوحات الإنسانية فهي تلك الأضاءات التي يَخرجُ بها عقل الإنسان بإذن الله و بدون وحي من السماء.

من أعظم الفُتُوحات الإنسَانية فِي التاريخ هو ما حدث في مدينة "جيمس تاون" التي سكنها المهاجرون الأوائل من الذين هاجروا من بريطانيا للعالم الجديد، أميركا. و قبل أن تكون هنالك الولايات المتحدة الأميركية. و كان ذلك من بداية القرن السابع عشر و حتى العقدين الأخيرين من القرن الثامن عشر. في جيمس تاون قام رجال من أواسط القوم بالتفكير في حلم تأسيس دولة الأحلام، دولة الحرية و العدالة و العيش الرغيد لأبناءها. حلم الإنسانية الذي تحلم به منذ وقت طويل.

كانت تلك هي مرحلة تكوين و كتابة الدستور الأميركي. مرحلة ما بعد أجيال الإكتشاف و ما قبل أميركا الإمبريالية. لم يأت هؤلاء بقيم و قواعد إبتكروها من لا شيء. بل بما وَرَثته الإنسانية من القيم السماوية التي أتى بها الأنبياء و تلك التي قدمها العلماء و الـمُفكرون من قبلهم. و هنا تكمن عبقرية العقل الإنساني عندما يتخلص من الجهل و الكبرياء. أن يقف أمام الموروث الفكري و الثقافي الإنساني بإحترام و أن يستخلص ضالته من الحكمة.

في الدستور الأميركي قدم "الآباء المؤسسون" أفكارا واقعية و عملية و قوية موثقة و ملزمة لتأسيس دولة القانون، لفصل السلطات التنفيذية و القضائية و التشريعية عن بعضها و عبر الهيكلة الفيدرالية للحكم متعدد المستويات. و قدموا قواعد لتداول السلطة و الإنتخاب و إدارة الدولة. أسسوا لحفظ حقوق الإنسان و واجبات المؤوسسات الحكومية. حرية الإبداع، التفكير و التعبير الذي قاد لحرية الإعلام و الرأي، و حقوق الفرد في الحياة و التملك و حرية التعبير المحفوظة دستوريا.

ماذا فعل الدستور الإميركي بأميركا؟ بل بالعالم بأسره؟

إن التقدم البشري في آخر مائتي عام هو شيء أقرب للخيال. فالذي يدرس حال الإنسان في القرون الوسطى يجده لا يختلف كثيرا عن حاله قبل عشرة آلاف سنة. فالتقدم الفكري و التقني خلال عشرة آلاف يمكن قياسه و يمكن أن نلاحظه. و لكنه يظهر لنا أنه على المستوى السياسي لازالت الأمم تُحكم بنفس الأنظمة الشمولية القمعية، و على المستوى التقني فالإنسان يستخدم نفس الأدوات القديمة لصنع الطعام و البناء و المواصلات. و على المستوى الطبي لا زال الإنسان يتبع نفس وسائل الإنسان القديم في التطبب، و قِس على ذلك في الجوانب الأخرى. و قد حدث بعض الإبداع الفردي عند الصِينيين و الهُنود و الإغريق و كثير من الأمم و بعد ذلك الأمة العربية تحت هَدْيِ الإسلام، و لكنها إضاءات متقطعة في تاريخ البشرية لا يمكن أن تسمى تقدما حقيقيا لأسباب واضحة. فهي أولا لم تشمل العالم و لم تحدث ثورة بحيث تمكنت كل الأمم من الإستفادة منها بشكل متبادل و متكامل و مستمر و ثانيا أنها كانت الإستثناء في المجتمع و الأمة الواحدة كلها فلم تكن حركة تطورية يقوم كل جيل بالبناء على من سبقه بشكل متزايد.

الدستور الأميركي كما يصفه باحثون في الدستور الأميركي أنه إختصارٌ لخمسة آلاف عام من تاريخ البشرية و قفزة للأمام لم ينتبه لها الزمان. بعد إقرار الدستور الأميركي و العمل به بسنوات قليلة فقط، كتب جورج واشنطون و توماس جيفرسون بأن أميركا و الشعب الأميركي يعيشون أمْنَا و رغدا من العيش و طمأنينة و تقدما و حرية لم يشهد التاريخ لها مثيلا. و لو إستعرضنا تاريخ الإنسانية في مائتي عام بعد ذلك لوجدنا تقدم الفكر و التعليم و التقنية و الطب و الفلك و كافة العلوم بشكل إستثنائي لم يسبق للإنسان أن حققه في فترة وجيزة. وجد الإنسان الأدوية فتم القضاء على الأوبئة و الأمراض و زاد متوسط عمر الإنسان و أصبح التعليم متاحا للجميع و إنتشرت الكتب و طُبعت فقرأها كل إنسان و إخترعت الكهرباء فتحكم الإنسان بالطاقة و أضيئت المدن، و أصبح السفر سهلا و أرتبط العالم بشبكة إتصالات وضعت في أيدينا قدرات لم يكن لمشعوذ من القرون البائدة أن يتخيل قدراتها الخارقة في التواصل. و صعد الإنسان للفضاء و وضع أجهزته على الكواكب الأخرى و أرسل سفنه الفضائية لأطراف المجموعة الشمسية و خارجها.

لم يحدث التقدم في أميركا فقط بل إنتشر في العالم كله و لكن كله إنطلق من أميركا و شع نوره من ذلك الفتح العظيم في جيمس تاون الذي تُوج بكتابة الدستور الأميركي. هذا ما يمكن لأوراق معدودة و لكتيب صغير، يحدد و يحفظ الحقوق و يؤسس لدولة متوازنة، عمله في تاريخ البشر و في حركة الزمان.

على الرغم من أنها دولة تأسست في العصر القريب، و لا تمتلك العمق التاريخي لدول الحضارات في أوروبا و آسيا و أفريقيا، إلا أن الدستور الأميركي هو أقدم الدساتير. و من أعظم الحكم التي يمكن للمؤمن أن يجد فيها ضالتهم في نظم هذه الدولة المتقدمة هو إيمانهم و حرصهم على كتابة كل الأسس و المقاييس لكل نظام. فالدستور المكتوب هو فقط البداية، و هو الرؤية الكلية لطموح الأمة و الإطار و الهيكل الأساسي العام. و لكن يجب أيضا كتابة كل القوانين و المقاييس لكل شيء بدون تهاون و لا تقاعس.

و في كتاب الله، يقول تعالى: "يا أيه الذين آمنوا إذا تداينتم بدين فأكتبوه". و اليوم نكتب الديون و نكتب ما هو أهم من الديون. فلا بد من عقود البيع و الشراء و لا بد للشركات من أنظمة أساسية و قوانين و مقاييس، و للدول قوانينها. و الآن يجب علينا أن نكتب لكل شيء ذو أهمية دستورا ثم قوانين و مقاييس. و أهم المؤسسات في حياة الأمة هي الدولة، التي يجب كتابة دستورها. و نحن أَوْلَى الأمم بكتابة دستورها، و قد أمرنا الله بأن نقرأ في أول كتابه و بأن نتعلم بالقلم، و أن نكتب الديون و العقود. بل أن الله في تلك الآية يقول "و لا يأب كاتب أن يكتب" ثم يقول "و لا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا". و الدولة و مصلحة الأمة أعظم من الديون و من الشركات و المؤسسات.

القرآن ليس دستورنا. القرآن هو أعظم من ذلك. هو أعظم من كونه كتابا قانونيا أو كتابا فيزيائيا يتحدث عن الدولة أو عن قوانين الفيزياء. القرآن الذي هو هدى من الله و نور، هو أساس كل الأنظمة و الدساتير. و عندما تكتب دولة دستورها فإنه لا يخرج عن القرآن و السنة و لا يعارضها. بل إنه يشرحها و يضع أحكامها في المواضع المناسبة لكي تدار الدولة بحكم الله. أن يكون هدفه سعادة الناس و تقدم الوطن في ظل أوامر الله و تعاليمه.

فلا يجب أن نترك كتابة الدستور بحجة وجود القرآن، كما أن المتداينين لا يتركون كتابة الدَّين بحجة أن القرآن هو الكتاب الأوحد الذي لا نحتاج معه للكتابة.

يقول علي بن أبي طالب مخاطبا الخوارج: "هذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق، إنما يتكلم به الرجال". و هو قول مهم في فترة مهمة من تاريخنا و أثناء فتنة فكرية عظيمة. و قد كانت من حجج الخوارج قولهم أن الحكم لله و ليس للبشر. فقال لهم علي بأن قول "الحكم لله" أو "أن الحكم للقرآن" ليس قولا يؤخذ بشكل حرفي. فالله لن ينزل من السماء لكي يحكمنا و القرآن لا ينطق لكي يفصل بين المتخاصمين. و لكن الحكم للرجال الذين يقرأون القرآن ثم ينزلون أحكامه على الأمور، و إن لم يجدوا في القرآن إجتهدوا بما يحقق الغايات التي أنزل من أجلها القرآن. و قول الخوارج المضلل هو قول لا يختلف كثيرا عن قول أن القرآن هو دستورنا فلا حاجة لنا بكتابة دستور يحدد مسؤولية السلطات المختلفة للدولة و يقرر الحقوق المدنية لأفراد الشعب و يكون نواة ينطلق منها التقدم و الإبداع. و حقيقة الأمر أن من يقول هذا فهو يقوله لكي يتهرب من كتابة و تقرير حقوق المسلمين و تنظيم الدولة بشكل يقضي على أي فرصة للفساد و الإفساد. و القضاء على الفساد هو أمر لا يحبه المتسلطون الذي إعتادوا على الأخذ بدون حدود و بدون محاسبة و كانوا بمأمن من المراقبة و من العقاب.

إننا نعيش فترة مميزة في التاريخ. فنحن نقف في تقاطع نورين إثنين: نور الفتح السماوي و نور الفتح الإنساني. فنحن ورثنا القرآن و السنة و نحن لدينا تجارب الغرب المضيئة. نستطيع أن نبني الوطن المثالي الذي لم تشهد البشرية مثله. نستطيع أن نختصر الزمان مرة أخرى و أن نصنع حضارة هي الأعظم في تاريخ الإنسانية. حضارة لا يستطيع الغرب أن يصل إليها لأنه لا يمتلك النور الإلاهي. و لكننا نحن نستطيع.