السبت، مايو 17، 2008

أكرم الخلق

كرم الله الانسان على العالمين.

على الحيوانات ، الجمادات ، الجن و على الملائكة.

لا يستطيع أي مخلوق من مجاراة الانسان في الابداع. عندما نفخ الله روحه في جسد آدم، وضع الله فيه سرا تميز به عن كل المخلوقات.

الكون يتكون من المادة و الطاقة. من المادة، خلق الله الكون و النجوم و النبات و الحيوان. مخلوقات ضعيفة مسجونة في جسدها تتحكم بها الغريزة و الفطرة الاساسية للرغبة بالبقاء. ليس هنالك أمل في هذه الكائنات التي خلقت من تراب بأن تقدم شيئا مميزا في الكون. حسبها أنها جزء لا يتجزأ من النظام الكوني المترابط المتزن.

أما الطاقة فقد أختار الله أن يخلق منها الملائكة و الجن. من الضوء و النار. و في الطاقة الرقي و العلو على المادة. فالطاقة لا تخضع للقوانين التي تخضع لها المادة. يستطيع الضوء المرور في كل أجزاء الكون بدون وسيط و في أقل فترة زمنية. تستطيع معظم أشكال الطاقة من التكيف بشكل أفضل في أرجاء كبيرة من الكون. هذا يفسر بمنطقية كيفية وجود أفراد من الجن مع الملائكة كأبليس الذي أمر بالسجود لآدم هو و الملائكة أجمعين.

و لكن المادة و خاصة في أشكالها الحياتية محصور بقاءها بظروف محددة جدا. من هنا نفهم سبب رفض إبليس السجود لآدم. فكيف يسجد مخلوق من طاقة لمخلوق من مادة.

و هنا نعود قليلا لكي نتأمل في هذه الحادثة التي غيرت مسار الكون. حادثة خلق الانسان.

فعندما أمر الله ببدأ خلق الانسان. علمت الملائكة بأنها سيكون من سلالة ترابية. هم لم يروا من السلالات الترابية سوى الحيوانات. و النباتات. و ربما بعض المخلوقات المتوحشة التي أفسدت في الأرض. و الملائكة علمت بهذا الأمر لقول الله تعالى "إني جاعل في الأرض خليفة". إذن لا بد أن يكون مخلوق همجي يقتات على الافساد و القتل لكي يرضي غرائزه الحيوانية. لن يكون حاله حال المخلوقات النورانية الراقية كالملائكة و الجن و غيرها مما لا يعلمها الا الله. سيكون مخلوقا ماديا يتغذى على بقايا النباتات و الحيوانات الميتة، يلتحف الاشجار و يتكاثر بطريقة حيوانية. يتناسل عن طريق الحيوانات المنوية. "و لقد خلقنا الانسان من سلالة من طين". "ثم جعلنا نسله من سلالة من ماء مهين".

الملائكة تعتقد أن الانسان مخلوق همجي مفسد "أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء" و تعتقد أن المخلوقات النورانية الراقية هي التي تستحق الاحترام "و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك".

و لكن لنتفكر قليلا في الملائكة. فهذه المخلوقات أعطاها الله قدرات فائقة. و علم عظيم. كل ملك موكل بعمل في الكون في غاية التخصص و التعقيد. في كل ركن من أركان هذا الكون و في تفصيل صغر أو كبر قد أوكل له ملك يقوم به. هكذا يعمل الكون. لا يكفي أن يخلق الكون، و لكن يجب العمل بشكل مستمر على تشغيله و صيانته. كما أنه لا يكفي أن تنجز مشروعك ببناء مصنع إنتاج. فما أن تنهي المشروع بنجاح فيجب عليك تأمين العمال المدربين المتخصصين في كل جوانب المعمل لتشغيله و لصيانته لكي يعمل بالشكل المطلوب. و لله المثل الأعلي و تبارك الله أحسن الخالقين.

و لكن هناك مشكلة في علم الملائكة. فعلى الرغم في براعتهم و قوتهم فعلمهم لا يزيد و لا ينقص. ليس لهم القدرة على التعلم أو التجديد أو الابتكار. هم يحفظون تماما متطلبات عملهم الذي يقومون به. و لكنهم لا يبدعون. إن عملهم لا يحتاج للابداع فالله هو البديع و هو الذي يضع سنن الكون و قوانينه. و الملائكة أوكل لهم القيام بمهام الكون التي تتوافق مع هذه القوانين. "اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا".

هكذا هي الملائكة لا علم لها إلا ما علمها الله. و كذلك الجن، التي و إن كان ها حرية الطاعة و المعصية، فإنها غير قادرة على التفكير الابداعي و الابتكار، فهي مخلوقات علوية تسيطر عليها القدرات المتطايرة أكثر من قدرتها على التفكر، التحليل و الاستنتاج.

و عندما حان الوقت للانسان لكي يسكن الأرض، تغيرت كل موازين الكون.

الانسان في الجانب الآخر، هو مخلوق ترابي مثله مثل كل الحيوانات. يعيش مثلها و يخضع لنفس القوانين التي تخضع لها المادة. لو رميته في الماء سيغرق. و لو لم يأكل لعدة أيام سيموت. و لو صعد في السماء أو في باطن الأرض لأختنق. يموت من شدة الحر و من شدة البرد. و لو تعارك مع أحد الحيوانات المفترسة لوقع ضحية في كل مرة. فهو ليس أقوى الحيونات و ليس أسرعها و ليس أكبرها. إن قوة الانسان ليست قوة جسدية حتما.

عندما أكتمل خلق الانسان لم يكن هناك ما يدل على تميزه بل أنه كان محتقرا فضلا عن أن يكون له ميزة. لذلك لم يسجد له إبليس. و لكن في أول إختبار و مقارنة بين الإنسان و الملائكة أعظم مخلوقات الله. علم الله آدم الاسماء كلها. هذه الاسماء ليست هي أسماء الاشياء لأن الملائكة تعلم بأسماء الاشياء التي خلقها الله في الكون. الله لم يعلم آدم بالتلقين كما في المدرسة فيما قد يهيأ لك. بل علم آدم على فترة طويلة بدأت بمجرد نفخ روح الله في الجسد الميت. و عندما أصبح آدم حيا لم يكن يعلم شيئا. تماما كطفل صغير. و لكنه أستطاع بهذا العقل الذي تميز به عن جميع الخلق من التفكير و التحليل و النظر من حوله. أخذ يتعلم بالتجربة، يخطيء ثم يتعلم من أخطائه ثم يحاول بطريقة مغايرة ثم بعد عدة محاولات تنجح إحداها. ثم يحاول في أمر آخر و آخر و هكذا. في كل مرة يجرب و يتعلم أشياء جديدة و يربطها بأشياء سابقة ثم يبدأ بالابتكار و التطوير و التجديد ثم إنشاء طرق مختصرة لعمل الأعمال المتكررة.

تعلم آدم كيف يشعل النار و يصنع الاسلحة و يبني المنازل و يستصلح الأرض للزراعة و يصنع كل الأدوات التي يحتاج. قدم آدم للكون أشياء جديدة. الموقد، و الحربة و الخنجر و البيت و المطبخ و الصحون و السلطة و اللحم المشوي و شبكة الصيد و السنارة. كل هذه الأسماء جديدة في الكون. بالنسبة للملائكة لم تتعود سوى رؤية مخلوقات خلقت بحسبب سنن الله الكونية التي هي مسؤولة عنها. أما هذه الأسماء الجديدة فلا علم لها بها. هذه الابتكارات هي خارج مقدرة الملائكة. لذلك فقد أستحقينا أن تسجد لنا الملائكة أجمعين.

اليوم نبني الجسور لتجاوز الأنهار، نصنع عشرات الآلاف من أنواع الحلوى و الأطباق الشهية بنفس المكونات التي في الطبيعة. نصمم أنظمة معقدة و تصاميم هندسية غاية في الجمال و التفاصيل التي تأسر الخيال. لوحات فنية رائعة غاية في العمق و الجمال. الكون كله يقف متعجبا و ليست الملائكة فقط من قدرتنا على تسخير كل شيء لنا نحن فقط. من قدرتنا التي يبدو أنها لا تسأم من تقديم الجديد و المبتكر.

لو مرت سيارة من أمامك بسرعة و أنت تقف على الرصيف، فأنت الإنسان وحدك قادر على التحليل و الربط. بسرعة في ذهنك و في أقل من ثوان معدودة ستحلل ما إذا كانت سرعتها معقولة أو غير معقولة. عند تجاوز السيارة لك ستتجه بسرعة إلى الشارع الذي دخلت منه تنتظر سيارة شرطة أو لربما سيارة تطاردها، هل هذا سارق قد هرب أو ربما شاب متهور. في هذا الوقت من النهار لا يمكن أن يكون سارقا. و هكذا...

هذا المستوى من التحليل و الربط لا يستطيع أحد غير الانسان فعله.

نحن نقف نحمل فوق أجسادنا أعظم نعمة أنعم الله بها على مخلوق. العقل. الذي فضلنا الله به على الملائكة.

نرتضي في كثير من الأحيان تعطيله. نرتضي التبعية و الاستعباد و نرفض العقل.

بل تعلمنا أن نخاف من العقل و أن الله سوف يعقابنا إذا استخدمناه.

الخميس، مايو 15، 2008

الحياة غالية

نحن موجودون على سطح كوكب صغير. كوكب تقليدي جدا. ليست له أية صفة خاصة في هذا الكون الشاسع. ندور حول الشمس التي هي نجم تقليدي بالمقارنة بمعظم النجوم الأخرى في الفضاء و في مجرة تتكون من مائة بليون نجم آخر هي الأخرى مجرد مجرة تقليدية بالمقارنة مع المجرات العملاقة المتناثرة في فضاء شاسع نحتاج معه الى مخيلة استثنائية لتصور حجمه الكبير.

لو استطعنا تصغير الكون كله ليكون بحجم الكرة الأرضية، الكون كله من أقصاه إلى أقصاه، لوجدنا مجرتنا بحجم حبة رمل صغيرة (على شاطيء مدينة الخُبر مثلا لمجرد التخيل) بينما أقرب المجرات لنا "أندروميدا" بحجم حبة رمل أخرى (على جبل الظهران) على بعد عشرة كيلومترات. بقية المجرات تتناثر على مسافات أبعد بكثير (في الدمام و طريق الجبيل). ثم الأبعد على بعد مئات الكيلومترات (على طريق الرياض، في البحرين و قطر و هكذا). أما في أعماق الكون السحيق (في دمشق و القاهرة و الهند) فالعقل و العلم يبدآن بالوصول لمرحلة المعاناة و الاستسلام. الكون يستمر في كل الاتجاهات (ليصل الى الاطلسي و المحيط الهادي) في الجانب الآخر في عوالم خارج إدراكنا حتى الآن و ربما للأبد.

الآن أعد الكون إلى حجمه الطبيعي تدريجيا. تخيل أنك تكبر الكون من حجمه الذي أفترضنا أنه بحجم الأرض إلى حجمه الضخم. سترى حبة الرمل التي تمثل مجرتنا تكبر قليلا حتى تصبح أكبر فأكبر حتى تصبح بحجم الحجر الصغير. ثم عندما تصل مجرتنا إلى حجم البرتقالة سيكون الكون كله قد وصل إلى حجم المجموعة الشمسية.

كما ترى فمعظم مكونات الكون هو الفضاء الفارغ من النجوم و المجرات. فضاء في غاية الظلمة و في غاية البرودة. فلو كنت بين حبتي رمل تفصل بينهما عشرة كيلومترات فلن تستطيع رؤية سوى بصيص ضئيل من الضوء يأتيك من مسافات بعيدة.

إذن، فالمكان التقليدي في الكون هو الظلام و الفراغ. أما المجرات بما فيها من نجوم و كواكب و أقمار فهي حالة استثنائية غير تقليدية لا تشكل سوى جزء بسيط من حجم الكون. لو دخلت الكون من خارجه لربما سرت مليارات السنين من دون أن تتاح لك الفرصة لكي تتحقق من وجود مكونات داخل هذا الفراغ الكبير. و لكي تتخيل أكثر حجم المسافات الكونية خذ مثلا رسم المجموعة الشمسية (عندما كنت في المدرسة) الذي يصور الشمس و جميع الكواكب حولها. فهذا الرسم مقاييسه غير صحيحة و الهدف منه تبيين أفراد المجموعة الشمسية. و لو أردنا أن نرسمه بالمقاييس الصحيحة لأحتجنا الى خريطة عرضها ثلاث كيلومترات.

النجوم و الكواكب و الاجرام السماوية الأخرى التي تعطي الكون ما فيه من النور و الطاقة و الجاذبية و الكتلة، هي إذن شيء استثنائي. هي التي تعطي الكون معناه الذي نعرفه و ندرسه. كوكب الأرض هو مكان تقليدي بين بقية الكواكب و النجوم. كحبة رمل في وسط صحراء الربع الخالي. لن تلفت إنتباهك أبدا في هذا العدد المهول من الأجرام الكونية. يتكون هذا الكوكب كبقية الكواكب من المعادن و المواد الأولية و لكنه أيضا يملك غلافا جويا لا يملكه كوكب آخر. و لكنه غلاف لا يلفت الانتباه أيضا. فسماكته بالنسبة لأرض كسماكة قشرة التفاحة بالنسبة للتفاحة.

و لكن الحياة داخل هذه الطبقة الرقيقة على سطح الأرض شيء استثنائي تماما. كل الضجة، كل الصخب، الابداع، كل الحياة داخل بضعة كيلومترات من الغلاف الجوي للأرض. داخل القشرة الأرضية مكان غير صالح للحياة. خارج الغلاف الجوي هدوء و صمت مطبق. مكان ميت. مهما ذهبت بعيدا في الكون لن تجد سوى الموت، الظلام و الصمت. حتى على سطح الكرة الأرضية ليست كل الأماكن صالحة للعيش. فنحن نحتاج لليابسة فنحن لا نستطيع العيش في البحر بشكل دائم. اليابسة جزء بسيط فقط. و ليست كل اليابسة صالحة للعيش فأعالي الجبال و القطبين و الأماكن الباردة جدا أو القاحلة كالصحارى لا تسمح بالعيش بسهولة.

إن هذه الحياة التي نأخذها مجانا، و لا نفكر بأهميتها كثيرا، هي في غاية الندرة في الكون. نحن نفترض أنها موجودة بشكل طبيعي و لا نلقي لوجودها الكثير من الاهتمام. و لكن وجودها بالنسبة لقوانين الكون غير طبيعي و غير متكرر. شيء استثنائي و نفيس.

تدوينات مشابهة:

الخميس، مايو 01، 2008

ملة العقل

من هو الشخص الحر؟ و كيف يتصرف؟ و كيف يمكن أن تنظر إلى الشخص و تعرف إن كان حرا أم تبعيا؟

كيف هو شكل الحرية؟ و كيف تبدو إن إستطعنا أن نجسدها؟ كيف هي ملامحها لو أمكننا تصويرها في أذهاننا إن أمتلكنا الخيال الكاف؟

عاش إبراهيم عليه السلام في مدينة الحضارة الأولى في عصره و في عائلة مرموقة من ناحية المكانة الدينية و الاجتماعية. فأبوة أحد قادة المعبد الوثني و له ما له من مكانة و إحترام. و للدولة التي يعيشون بها مالها من هيمنة و قوة.

السير مع التيار هي طبيعة غالبة على البشر. الأمور تسير مستقرة في أكثر الوقت في أكثر الأماكن. لذلك فنحن نميل للسير مع التيار و التماشي مع الواقع. مالذي يدفعنا لمحاولة التغيير؟ فمحاولة التغيير مكلفة جدا. تتطلب الكثير من الجهد و الوقت. لذلك فالرضى بالمقسوم و الرضوخ للواقع هو شيء طبيعي للكل تقريبا. من الصعب في ظل التبعية و الاستضعاف و حياة القطيع أن نتعرف على المعنى الحقيقي لمفهوم الحرية.

إبراهيم لم يولد نبيا. و لم يعش نبيا في أول عمره. كان شخصا عاديا حتى خرج من قومه "و قال إني ذاهب إلى ربي سيهدين". كان من الطبيعي و من المحتم على إبراهيم أن يتبع قومه و أن يقلدهم في ماهم عليه كأي شخص آخر. كان في أمة تسير على طريقة و على منهج ناجح متمكن و غني. مئات الآلاف و الملايين يسيرون في نفس الاتجاه و من الصعب و من اللاعقل الخروج على هذه القيم و المباديء المشتركة.

حتى تتعرف على ماهية الحرية، يجب عليك أن تتوقف و أن تنظر حولك. ترى ملايين الناس من حولك في كل الجوانب، من بين يديك و من خلفك و من على يمينك و من شمالك. يسيرون بنفس السرعة. يلبسون نفس اللبس. في نفس الاتجاه. أنت واحد منهم. لا تختلف عنهم في شيء.

في وسط هذه المسيرة الجماعية، توقف. قف تماما و أنظر حولك. تعرف على ما حولك في الكون و في الحياة. حاول أن ترسم خريطة خاصة بك. خطة جديدة مبتكرة. لم يفكر بها أحد من قبل.

لا أدري كيف أمتلك إبراهيم "اللاعقل" في أرض العقل أو كيف أمتلك "العقل" في بحر من اللاعقل. و لكنه أمتلك حسا عاليا من الحرية بل إنه أمتلك أرقى درجات الحرية أستحقت أسما خاصا بها: "الحنيفية". إنها التوقف عن السير في الاتجاه المفروض على الكل. التوقف ثم التفكر و التعقل و التحليل و الربط ثم إستنباط الحكمة. "و لقد آتينا إبراهيم رشده من قبل". لم يأت الوحي إلى إبراهيم في سنواته الأولى و لكنه لم يكن بحاجة إليه كي يحس بالحرية و يمتلأ بها. كلنا نحصل على نفس الفرص. الأنبياء و الشهداء و الصالحين يصطفيهم الله بحسب ما يملكون من إيمان و بقدر ما يستخدمون من عقل و فكر و بمقدار ما يبذلون من جهد. الإصطفاء لا يأتي إلا بعد أن يبذل الشخص الجهد الذي يستحق به هذه المرتبه.

في حياتنا نحصل على فرص لكي نخرج من الصندوق أو أن نختار البقاء فيه.

ما ميز إبراهيم هو إيمانه العميق بصدق ما يؤمن به من وحدانية الله. هذا اليقين بهذه العقيده جاء من تفكره العميق في الكون. "و كذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات و الأرض و ليكون من الموقنين". إن يقين إبراهيم لم يتشكل من قراءة الكتب و إتباع العلماء و حضور المحاضرات. لو فعل ذلك لأصبح مثل أبيه آزر و لأصبح وثنيا أو نصرانيا أو يهوديا متبعا لمله من ولد فيهم. لذلك تجد القرآن سباقا لنفي ذلك "ما كان إبراهيم يهوديا و لا نصرانيا و لكن كان حليفا مسلما و ما كان من المشركين". إن المعنى في هذه الآيه هو أن المسلم الحنيف، المسلم الحقيقي هو المسلم الحر الذي لا يولد فيتبع ما وجد عليه قومه. تذكر أن هذه الأمة تنقسم إلى ثلاث و سبعين شعبة كلها في النار إلا واحدة.

في تفكر إبراهيم في الكون يخرج من الأرض الصغيرة، يخرج من بين صفوف القطيع، خارج الصندوق باحثا عن الله. فينظر للسماء. للكواكب و للقمر ثم للشمس. في كل مرة يقول هذا ربي ثم يتبرأ منها جميعا و يتجه لمن خلق هل هذه الأشياء. الخالق الذي يستحيل أن نراه. يجب أن لا نراه فكل شيء نراه يغيب و يأفل. كل شيء نراه و تستطيع أعيننا آن تنظر إليه يجب أن يكون شيئا ماديا. فالرؤية هي إنعكاس الضوء على جسم مادي ليرتد لأعيننا فتراه. و لكن الله ليس جسما ماديا فهو ليس من الخلق بل هو خالق الخلق. هو خالق الضوء و ما ينعكس عليه الضوء و خالق الإبصار لذلك فهو لا تدركه الأبصار. إن أي شيء تستطيع أن تراه يستحيل أن يكون الله.

لذلك و بكل بساطة أستطاع إبراهيم أن يصل لليقين "إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات و الأرض حنيفا و ما أنا من المشركين". إن البحث في الكون لا يتوقف. الوصول لحقائق جديدة و إكتشافات مثيرة لا تفتأ تدهشنا كل يوم. و لكن التوجه لفاطر كل هذه الأشياء. التوجه لفاطر كل ما نعلم و كل ما سوف نعلم و كل ما لا يمكن أن نعلم هو منتهى الايمان. هو اليقين. يشدد القرآن دائما على أن إبراهيم "لم يكن من المشركين" و السبب هو التأكيد على أن إبراهيم في بحثه عن الله و في تفكره في الكواكب و الشمس و القمر لم يشرك. فعملية البحث عن الحقيقة تتطلب التفكر العميق و الخروج عن المألوف فلكي تتيقن أن الشمس و بقية الآيات العظيمة في الكون ليست هي الله يجب على عقلك أن يضع إحتمالا أنها آله إبتداءا. لكي تصل إلى تقدير عظمة الله الحقيقية من عظمة خلقه.

حتى بلغ الأربعين، كان إبراهيم عليه السلام شخصا كأي شخص منا. لم يكن نبيا بعد. و لكنه لم يسر مع القطيع. لم يؤمن قط بأن أسلم الطرق هي التماشي مع الواقع و التسليم له. إن الحرية عند إبراهيم مرتبطة تماما بالتوحيد، بالكون و بالايمان بالله و ممتزجة بها.

هذه هي ملتنا. ملة العقل و التفكر. ملة النظر في الكون و التفكر في ملكوته.

الخميس، أبريل 24، 2008

التيار التقني

هل من الممكن أن تكون التقنية سببا في عودة الأمور لمجاريها في عالمنا الأسلامي؟

و الذي أعنيه "بعودة الأمور لمجاريها" هو عودة الحرية و العزة و الكرامة للأفراد و للمجتمعات الأسلامية. هذه الحرية التي جاء بها الأسلام و تمتعت بها الانسانية في عهد النبي صلى الله عليه و سلم و الخلفاء الراشدين. ثم فقدناها بالتدريج منذ أختطفها الأمويين و من بعدهم العباسيين. ثم أستمرت زمنا في الأندلس قبل سقوطها. فقد بعدها العرب كل حضارتهم و أصبحوا منذ ذلك الوقت عالة و عبئا على العالم.

و على الرغم من إستمرار الدولة الاسلامية في الملكية العثمانية إلا أن العزة و الكرامة أنتقلت من العرب و ذهبت للأتراك الذين أعزوا الدين فأعزهم. و سقط العرب عن حمل رسالتهم العالم و أصبحوا في المرتبة الثانية في داخل الدولة الجديدة و أنهزموا نفسيا في تلك الفترة و مثل ذلك بأن أنتشر أسم "تركي" بين عرب الجزيرة الذين أصبحوا ينظرون للأتراك بأنهم أعلى مرتبة منهم و يتيمنون بأن يسمون أولادهم بهذا العرق المسيطر عليهم.

و لكن الدولة الاسلامية الحقيقية أنتهت بمقتل عثمان و علي ثم موت الحسن بن علي. أنتهت ببداية الدولة الأموية. بقت الشعوب المسلمة و الفتوحات و البحث العلمي و قام المسلمون بدورهم في بناء أعظم حضارة شهدتها الأنسانية. و لكن في أعلى الهرم، كانت الدولة الاسلامية تخضع تحت حكام مسيطرين لا يحكمون بالشريعة الاسلامية و لا يقيمون العدل و يرفضون أن يدخل الدين في أمور الدولة. كانت هذه الحكومات هي النواة الأولى لسقوط الدولة الاسلامية. لم تسقط الدولة الاسلامية مرة واحدة بل سقطت في كل مرة، كانت المسألة مجرد وقت. لم ينفع الدولة قوة الجيش و المستوى العلمي و التقني للشعب، فهذه الدولة العباسية و أعظم منها الدولة الأموية في الأندلس حيث وصلت قوة الجيوش و التطور العلمي أعلى المستويات و لكن لم يشفع لها عندما سقطتا على يد أكثر الأمم تخلفا من المغول الجهلة و المتخلفين حضاريا و على يد الأسبان الذين لم تشهد أوروبا أجهل و لا أكثر تخلفا منهم.

إذن، المشكلة الحقيقة كانت في الحرية. كانت في السيطرة الفرعونية على إدارة الدولة الاسلامية. فبدون العدل لا يمكن أن تتحقق أو أن تستمر منجزات المسلمين.

المعادلة ليست صعبة الفهم في بالنظر للغرب، نرى كيف كان تأثير ظهور الحرية في قلب الموازين لصالح الغرب في وقت قصير حتى أصبح الغرب يمتلك اليوم كل جوانب الحضارة و القوة.

أعود للسؤال الذي بدأت به المقال. هل ستقوم القنية في عصرنا الحالي بتغيير الأمور؟

لقد عشنا منذ فترة طويلة تحت حكم الاستعمار ثم الحكومات التي خلفها الاستعمار في فترة ظلام حقيقي. كانت الوسائل الاعلامية كلها بيد هذه الحكومات. و كان العلماء يتم إختيارهم بعناية بحسب ولاءهم و قدرتهم على تنفيذ سياسة الدولة. و تستطيع الدولة من خلال هذه المنظومة من رسم الفكر و الحالة النفسية للمجتمع التبعي الغير مبدع الغير قادر على الإنتاج أو الابتكار.

السلفيون كانوا يبشرون بأن العودة ستكون علي أيديهم و أن الشعب يجب عليه أن يتبعهم و يؤمن بمنهجهم ثم ستتغير الأمور بشكل مفاجيء للأحسن و أننا سوف ننتصر على أعداءنا المتآمرين على الأمة الاسلامية و أن المهدي سيخرج قريبا الخ. هذه المنهج الغير مرتبط لا برؤية واضحة و لا بخطة و الذي كانت ينتهج أسلوبا عاطفيا جذب له أكثر عدد من الناس و حصل على أكثر من الوقت اللازم لكي ينجح و لكنه لم ينجح و لن ينجح أبدا سوى تكوين فئة تعيش في القرن العاشر و لكنها تشاركنا المكان نفسه تفتقد للارتباط مع غيرها و تعيش على نظريات جدلية.

الجاميون يعيشون في عالم آخر و يعتقدون أننا أحسن من غيرنا بكثير و أن الوضع في رأيهم يجب أن يستمر على حاله.

أما الجهاديون فيعتقدون أن العنف و ليس العقل هو ما سيحل كل مشكلة و أية مشكلة.

هذه المستويات من إقصاء العقل جعلت كل هذه التيارات تفشل في تحقيق أي شيء. هذا الذي يجعلني أعتقد أن الحل الحقيقي يجب أن يتضمن الحرية و المشاركة من كل أفراد المجتمع. يجب أن يتضمن منهجا يسمح للعقل و ليس لعاطفة أن يكون هو الطريق. الاقناع و ليس الترغيب و الترهيب العاطفي الذي سرعان ما يزول بتغير الحالة النفسية للشخص.

الآن و مع ثورة الاتصالات و قدرة الأفراد على التواصل و المشاركة بل و المساهمة و الاضافة أستطيع أن أقول أن هناك تغييرا جذريا في التركيبة الكيميائية للمجتمع سوف يكون لها تأثير كبير في رسم الخريطة المستقبلية للمسلمين. فالناس الآن بدءوا بالنهوض من كرسي التلقي و التلقين، و من قنوات التواصل ذات الاتجاه الواحد التي تصب فيهم الافكار فقط و تطالب منهم السمع و الطاعة و عدم التفكير و الإيمان الأعمى بكل شيء. يخرجون الآن إلى فضاء من التواصل متعدد الاتجاهات يمكنهم من رؤية الأمور من منظورات مختلفة و برؤى شتى. هناك صحوة للعقل و تحديا فكريا كبيرا نشهده الآن بسبب القدرة الكبيرة للتواصل إستطعنا و لأول مرة منذ قرون من أن نعي ما يوجد فوق أجسادنا من عقل أرتبط بالحواس كلها لا ليكون مكانا لتخزين الأوامر و النواهي بل للتفكير، للتحليل، للربط و الاستنتاج المنطقي و الخروج بحلول و إبتكارات.

نحن في عصر الاتصالات. في عصر المشاركة. في عصر العقل.

أي منهج لا يحترم هذه المسلمات المعاصرة سيسقط سريعا.

و مع سقوط التيارات السلفية و الجهادية و الصحوية و الليبرالية و غيرها فأنا لا استبعد أن يكون الحل بيد "التيار التقني".

السبت، أبريل 12، 2008

إقرأ

قرأت الكثير من الكتب. ربما الآلاف و ربما عشرات الآلاف من المقالات. و لكن لم أجد أعذب و لا أقرب و لا أصدق من القرآن الكريم. لا تشغل بالك كثيرا بحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب. أريد أن أقول لك أن قراءة آية واحدة فقط ثم التوقف عندها، ثم فهمها هي كل ما تحتاج إليه لكي تستمتع بوقتك مع هذا الكتاب.

لكي تفهم أية آية في القرآن ما عليك سوى فهم كلماتها كما هي في لغة العرب البينة الواضحة لأن القرآن الكريم "نزل بلسان عربي مبين". أنت لا تحتاج لأحد لكي تفهم القرآن. فهو ليس كتاب ألغاز. هو كتاب شخصي أنزل من الله تعالى لكل فرد. لا نحتاج لوسطاء بيننا و بين كتاب الله لكي نفهمه.

الشيء الآخر هو التفكر و التعمق في الخيال. فمع القرآن الكريم التفكر و الخيال متعة ما بعدها متعة.

لقد جرب فوجدت أن قراءة التفاسير تضيع علي الكثير من المعاني الرائعة. فالقرآن كما قلت كتاب شخصي لكل فرد و ليس كتابا جامدا يستطيع شخص واحد تأويل معانيه و إنزالها على كل الاماكن و الازمان و الظروف و الاشخاص و المجتمعات. كم يتمنى الكثيرون أن يجدوا تركيبة واحدة تنفع في كل الأوقات و لكل الناس. لا أدري لماذا و لكننا نحب تبسيط الأمور.

القرآن الكريم هو كتاب قضيته الانسان و ميدانه العقل، اسلوبه فني راقي يخاطب الروح و العاطفة و يرسم لك لوحة جميلة وهو يسرد لك قصصا أو يناقش قضية، و حواره علمي منطقي يقيم البرهان و يشجع الحوار و يتفرض البدائل.

يستطيع الانسان أن يقضي كل وقته بالتفكر في القرآن الكريم و التعلم منه. و أنا أتعجب كيف يدعي الالتزام و الحرص على الدين من يقضي أكثر وقته من الاكاديميين و من يسمون في العالم المتدينين بطلبة العلم في التبحر في كتب لا تنتمي لزماننا كتبت في عصور قديمة. كتبها أصحابها في آزمتهم لأنهم رأوا فيها حلا لمشاكلهم و لكنها حتما ليست حلا لمشاكلنا. فنحن قادرين على أن نبدع أيضا و نعود للقرآن و نخرج بحلول لنا. كان بإمكان هؤلاء الطلبة أن يقضوا أوقاتا أكثر لفهم أعمق للقرآن الكريم.

و عندما تقضي معظم وقتك مع القرآن الكريم فسوف تتحول طريقة تفكيرك تدريجيا الى الربط المنطقي و الاسلوب القصصي في الالقاء و الاختصار و الهدوء كما ستتخلق بخلق أفضل و ستزداد ثقتك بنفسك و ينمو إحساسك بالحرية و الاستقلالية عندما تتعرف على المعنى الحقيقي للتوحيد و يتزداد إحساسك بالعزة و الكرامة و رقي الفكر.