المشاركات

دائرة العلم ودائرة الجهل

من باب أن الشكية هي أساس المعرفة وأن المتيقن جاهل، قد يكون رأيي خطأ ورأيك صواب وقد يكون العكس أن رأيي صواب ورأيك أنت هو الخطأ، علما أن الآراء صحيحة بنسب مختلفة فلا توجد آراء صحيحة تماما وآراء خاطئة تماما. وحتى نصل للنتيجة النهائية ونكتشف أي الآراء هو الأصح وما هي نسب الصحة والخطأ لكل وجة نظر، نحتاج أن نعيش حالة تسامح ونحن نسير في الطريق نحو الفهم النهائي. الفهم النهائي هو اليقين، أما المعرفة فهي الطريق. وهي طريق طويل ورحلة ممتدة منذ بداية وجود الإنسان ولن تنتهي حتى آخر إنسان يستطيع أن يفكر.  المشكلة أن هذا الفهم المتسامح لطبيعة المعرفة الذي تحمله بين جوانحك وتطمأن له نفسك وما يجعلك تحترم كل الأفهام الأخرى، لا يشاركك فيه كل رفاقك في الطريق. فمعك من رفاق الطريق من ولد كأي إنسان آخر، جاهل لا يعلم شيئا، ولكنه نشأ وكبر في مكان إستقى من بيئته اليقين من أول يوم. بالنسبة له، المعرفة ليست لها أهمية، فهو يمتلك اليقين مسبقا. هو أصلا لا يعي أنه في رحلة ولا يعترف بالطريق. أجداده وصلوا المحطة النهائية منذ زمن بعيد وهو مقتنع أن سلسلة التفكير قد توقفت منذ زمن بعيد. ومنذ قرون إنتهت الحاجة للعقل، ولم …

الإنسان و الأفكار

نحن لعبة بيد الأفكار.
نبدأ صغارا لا نصلح لأن نحملها. لكننا نبدأ بمواهب الصغار، نتعلم بسرعة و نجرب بدون خوف و نلاحظ بدقة و نقلد و نبدع. من الصدفة أننا نعيش في مجتمعات مختلفة، كل واحد منا يعيش مع نصيبه من الأفكار الغريبة. و عملية التعلم عملية ميكانيكية في الصغر، تتم بغير مشيئة الإنسان، و من المستحيل أن يبلغ الطفل السابعة دون أن يكون قد تشبع بأفكار والديه و من حوله من الناس، فهو يتحدث لغتهم و يعتقد بمعتقدهم، و رغم أن لكل شخص شخصيته المميزة و لو قليلا، إلا أنه نسخة أخرى من الأفراد الذين هم حوله. هو مزيج من تجارب الآخرين الذين عايشهم و تفاعلوا معه.
و كذلك، فإن الإنسان يبقى بعيدا عن الأفكار التي لم ينشأ بها، معزولا عنها، لكن تلك الأفكار البعيدة ستجد لها أناس آخرين تنشأ و تعيش معهم. أو لنقل، تعيش بهم. و هكذا تتكون تجمعات مختلفة للأفكار المختلفة، كما أن تجمعات البشر مختلفة أيضا. و تصبح الأفكار أيضا شعوبا و قبائل و دولاً و أحزاباً و مجتمعات كثيرة.
نحن لسنا أكثر من وعاء لحمل تلك الأفكار، بينما الأفكار هي الموجود الحقيقي في الكون. نحن نعيش سنوات قليلة فقط قبل أن نموت لتأتي أجيال جديدة تحمل نفس …

عن نظرية التطور (١)

الحديث عن نظرية التطور، من الأحاديث الأكثر جدلا في الغرب منذ عهد النهضة العلمية في أوروبا. و على الرغم من أن جميع النظريات العلمية في تلك الفترة وحتى اليوم كانت دائما ما تسبب رفض كثير من رجال الدين بالذات ومن المتحمسين، هو خلاف يشتد أحيانا حتى يصل لحد الإتهام بالكفر والهرطقة و القتل أيضا.
في الغالب، كان العلماء يتبعون أسلوبا نافعا، ولكنه يحتاج لزمن طويل: وهو العمل بصمت، وبعد فترة من الزمن سوف تتحول هذه النظريات العلمية لحقائق يستحيل إنكارها. حدث هذا في نظرية دوران الأرض. كانت الفكرة القديمة هي أن الأرض هي مركز الكون، تدور حولها الشمس. كان الإنسان القديم ينظر في السماء فيرى الشمس تظهر من المشرق، وكأنها تخرج من خلف الأرض ثم ترتفع بإتجاه السماء حتى تتوسطها. ثم تبدأ بالنزول بإتجاه الغرب حتى تختفي خلف أفق المغرب من الأرض. لا شك أن الإنسان القديم كان موقنا بما لا يدع مجالا للشك بأن الشمس هي التي تدور. وأن الأرض ثابتة، كانت هذه هي أقدم خدعة بصرية تعرض لها الإنسان منذ نشأته على هذا الكوكب.
مع الوقت تحول منظر السماء الخلاب في الليل والنجوم تحيط بالكوكب و بالشمس والقمر تدور حول الأرض لفكرة بدأ…

سبعة مليارات

نهاية أكتوبر، في اليوم الأخير منه، أحتفلت الأمم المتحدة بيوم خاص بمناسبة بلوغ عدد سكان اللأرض السبعة مليارات نسمة. قد يكون عدد سكان العالم قد بلغ ذلك الرقم قبل التاريخ المحدد بيوم أو بيومين، أو بعده بيوم أو بيومين. و لكنني الآن بعد أكثر من عشرة أيام من ذلك التاريخ متأكد أنني أعيش بين سبعة مليارات نسمة، فلم يحدث تسونامي أو زلزال أو حدث جلل يقلل من عدد السكان فجأة في الأيام العشرة الماضية.



كانت المليارات الستة قد بلغها العالم قبل نهاية القرن السابق بعدة أشهر. و في بداية العقد القادم، سيكون إن شاء الله موعد المليار الثامن و هو موعد تنتظره معظم الدول المتقدمة بخطط إستراتيجية لأعوام ٢٠٢٠، ٢٠٢١ و ٢٠٢٢ لأهمية عدد السكان العالمي و المحلي في التخطيط و التنمية.



لو عدنا للتاريخ الذي بلغ فيه عدد سكان الأرض المليار الأول، لأصبحنا تقريبا في نهاية القرن الثامن عشر و بداية القرن التاسع عشر. و هي الفترة التي دخل فيها العالم الإسلامي و العربي خاصة مرحلة الإستعمار الغربي. هي المرحلة التي تلت إمبراطوريات عربية إسلامية تمتعت بسلطة مطلقة كانت الشعوب فيها مغيبة عن المشاركة السياسية، بحجة أن الحاكم الظالم ا…

الفتح الإنساني العظيم

الفُتوحات السّماوية هي تلك اللحظات من الزّمان التي يُنبأ فيها رجال من الأرض بخبر السّماء. فَيَبعثُون بتلك الأفكار الجديدة أمماً من الموت و يُخرجُون الناس من الظلمات إلى النور. يَختصِرون قُرونا من الزّمان في سِجل الحضارة الإنسانية. فيجدد اللهم بهم الحياة و يصلح الأرض بعد فسادها.

و لو لم يبعث الله نبيا يقوم بثورة في قريته الظالم أهلها، فإننا لا نستطيع تَخيُّل تاريخ الأمة العربية سِوى مَجموعةٍ من القبائل المتفرقة التي تَعيش تحت وَطأة الجاهلية و تَحكُّم الإمبراطوريات المجاورة لها لقرون عديدة. بل أننا لا نستطيع أن نتخيل تاريخ الإنسانية بأجمعه بدون الأنبياء كما نراه اليوم سوى تجمعات وثنية في أصقاع القارات المتفرقة تعاني الفقر و المرض و التخلف و تَحكُّم الشامانيين بعقولهم و الإقطاعيين بحياتهم.

ما معنى إختصار الزّمان؟

إن الزّمانَ يَسير في خَطٍ مُستقيم. لا يُبالي بشيء و لا بأحد. لا يتوقف. لا يقفز قُدما، و لا يعود للوراء. و في الكون ساعات عملاقة تقيسُ الّزمان. نُجوم و كواكب و مجرات تدور حول نفسها وحول بَعضِها بدقَةٍ و إنتظام. كُلُّ واحدة مِنها ساعة تشير للحظة من الزّمان. و عندما تأتي اللحظة الت…

نهاية الزمان

ماذا آكتب عن العقد الجديد؟

لم أفكر بجدية أن أكتب شيئا عن نهاية أول عقد في الألفية الثالثة. هو العقد الأكثر إثارة في تاريخ الإنسانية و هو الأكثر أحداثا و إنجازات. و لم أفكر أيضا بجدية أن أكتب عن العقد الثاني و الذي سيكون أكثر إثارة و أحداثا قياسا على الإمكانات العلمية المتوفرة، و حجم التحديات الراهنة.

و هناك عدة أسباب في عدم تفكيري الجدي هذا.

فإنني أنظر للسنوات و الأيام و الساعات نظرة شاملة. فالزمن لا يتوقف عند نقطة بعينها ثم يبدأ من جديد، و لا يقسم نفسه إلى فترات تاريخية متساوية كالعقود و القرون و الألفيات كما نفعل نحن. إنما هو مستمر غير منقطع. يسيل كما يسيل الماء تترابط جزيئاته فلا ترى فيها أجزاء و أقسام.

و الحقيقة أن الزمن لا يمكن أن نصفه بأن له جزيئات كالمادة. و لا نستطيع تحديد ماهية و طبيعية مكوناته. و نحن كبشر مولعون بتجزئة الأشياء و ترتيبها و ترقيمها بالتسلسل لكي نستطيع أن نفهمها. و كأننا نتعامل مع العقل كما نتعامل مع المعدة. فلكي تستطيع أن تأكل دون أن تغص بأكلك فتموت، عليك أن تجزأ أكلك لقطع صغيرة. و كذلك يجب عليك عمله مع دماغك.

لذلك إبتكرنا الثواني و هي فترة زمنية قصيرة يمكن أن…

دعاء لحظات ساحرة

يبدو أنني أعيش كل اليوم من أجل لحظات قليلة قبل النوم.

لحظات صفاء، أترك فيها الدنيا كلها. كل ما أملك و كل ما لا أملك. أترك فيها كل الجراحات و الأمنيات، لتلك اللحظات. تلك هي متعتي.

اللحظات الفاصلة بين الإغماضة الأولى و النوم، لا أعتقد أنني قادر على الإبقاء على كامل تفكيري لقياس تلك المسافة بين الوعي و اللاوعي. فإن علمت اللحظة الأولى فلن أستطيع معرفة تلك اللحظة المحددة التي تتوقف فيها أفكاري. لا أستطيع أن أتذكر آخر فكرة قبل أن أستسلم للنوم.

و لكنها فترة قصيرة مليئة بالأفكار و السحر و الخيال اللامحدود الذي لا أطيقة و أنا خارج تلك اللحظات و لو أجهدت في التفكير قواي.

لا أدري هل هي حالة من السُكر أم هي حالة روحانية. هل يمكن تفسيرها بيولوجيا أم أنه إتصال ميتافيزيائي من ما وراء الكون يذكرنا كل يوم بأننا أرواح في أجساد، بأن لا تغرنا الحياة الدنيا و أن لا يغرنا بالله الغرور.

رب لما خلقت الظالمين؟

رب لم خلقتهم، ألم يعصوك بظلمهم؟ ألم يفسدوا في الأرض؟ ألم ينتهكوا المحرم؟ أنت ربي غني عنهم، و لن يضروك شيئا. و لكننا عبادُك. رب لما خلقتَهم؟ ألمْ يظلِموا عبَادك؟ ألمْ ينتَهكوا حُقوقنَا؟ ألمْ يقتُلوا إبد…